سلايدات

المدن: السّويداء على صفيحٍٍ ساخنٍ… وأصداء درزيّة لبنانيّة واتصالات مستمرّة

تشهد محافظة السويداء السّوريّة منذ يومين تصعيدًا ميدانيًّا خطيرًا أعادها إلى واجهة الحدث السّوريّ، بعد هدوءٍ نسبيّ. فقد اندلعت مواجهاتٌ مسلّحةٌ عنيفة بين مجموعاتٍ درزيّةٍ محليّة—وفي مقدّمها “المجلس العسكريّ” بقيادة الشيخ حكمت الهجريّ—وبين عشائر البدو، في نزاعٍ اتّخذ سريعًا طابعًا طائفيًّا غذّته موجات تحريضٍ متبادلٍ على وسائل التواصل الاجتماعيّ، واكتمل المشهد بغياب تنسيقٍ واضحٍ بين أجهزة الدولة السّوريّة والقوى المحليّة، على ما أفادت مصادرٌ ميدانيّة الارتجاج الميدانيّ تداعى سريعًا إلى الجوار اللّبنانيّ حيث تتمركّز كبرى الطائفة الدرزيّة خارج سوريا. ففي السّاعات الأولى للاشتباكات، انهمكت القيادات الدرزيّة، ولا سيّما الحزب التقدّمي الاشتراكيّ، في محاولات تطويق تداعياتها ومنع ارتدادها على الداخل اللّبنانيّ – الدرزيّ.

صدى لبنانيّ يعلو… وتحفّزٌ درزيّ
إذًا، في لبنان، لم تتأخّر ردود الفعل الدرزيّة عن الدخول على خطّ الأزمة. الرئيس السّابق للحزب التقدّمي الاشتراكي وليد جنبلاط، وبعد لقائه رئيس مجلس النواب نبيه برّي، شدّد على أنّه “مع عودة الأمن وبناء مصالحةٍ في السويداء برعاية الدولة السّوريّة”، مذكّرًا بأنّه كان “أوّل شخصٍ عربيٍّ ودوليٍّ يزور دمشق بعد الإطاحة بالنظام السّابق”، ومكرّرًا رسالته بأنّ “سوريا كانت وستبقى موحّدة”. في نبرةٍ تحذيريّةٍ واضحةٍ قال جنبلاط: “البعض في السويداء لم يفهمني ونادى بالحماية الدوليّة وحتّى الإسرائيليّ.. السويداء مثل جرمانا وحمص وحماة هي في حماية الدولة السّوريّة.

بيان الحزب التقدّمي الاشتراكي أعرب عن “الأسف الشديد للأحداث الدامية”، وقدّم التعازي إلى أهالي الضحايا، داعيًا إلى “التهدئة الفوريّة حقنًا للدماء”. البيان شدّد على ضرورة “التوصّل إلى حلٍّ سلميٍّ برعاية الدولة السوريّة يضمن الاستقرار والأمن والسّلم الأهلي” في عموم الأراضي السّوريّة، معلنًا رفضًا قاطعًا “لكلّ الدعوات المطالبة بتوفير الحماية الدوليّة”، ومؤكّدًا أنّ “مسؤوليّة الأمن والحماية تقع حصرًا على عاتق الدولة السوريّة”. أمّا على المستوى الدينيّ، فتواصل شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز في لبنان الشيخ سامي أبي المنى مع مشايخ السويداء، معبّرًا عن “أسفه البالغ للأحداث الدامية” وداعيًا إلى “التعاطي برويّةٍ وحكمةٍ لوقف التدهور الأمني، وإلى حلولٍ تضمن الاستقرار وتحقن الدماء تحت سقف الدولة ومؤسّساتها”. البيان الروحيّ لاقى ارتياحًا في أوساط درزيّةٍ لبنانيةٍ ترى أنّ حياد المرجعيّة الروحيّة قد يشكّل مظلّةً جامعةً وسط الانقسام السّياسيّ.

ما وراء المواقف… قراءة اشتراكيّة للمعركة

مصدرٌ رفيعٌ في التقدّمي الاشتراكي أوضح لـ”المدن” أنّ الاتصالات انطلقت منذ ساعات الصباح الأولى للأحداث “لترتيب الأوضاع”، لكنّه ألمح إلى أنّ “هناك قرارًا لدى الدولة السوريّة لبسط الأمن”. المصدر رأى أنّ الاشتباك الحاليّ هو “نتيجة تراكماتٍ آنيةٍ”، قائلًا: “كان هناك تصوّرٌ لأن تكون السويداء جزءًا من المشهد والدولة الجديدة، لكنّ بعض القيادات الدرزيّة أغرت الأهالي بأوهامٍ متعدّدة: تارةً بالفيدراليّة، وطورًا بطلب حماية إسرائيل”. وبرأيه، فإنّ “الدعم الدوليّ متّجهٌ نحو استعادة الدولة السوريّة دورها”، مضيفًا: “لقد نصحنا كثيرًا، لكنّ الأبرياء يدفعون الثّمن نتيجة خياراتٍ حاسمةٍ يتّخذها بعض القيادات الدرزيّة هناك”.

وأضاف: “هناك من يدّعي القدرة على الحماية، لكنّ التجارب السابقة ـــ وما جرى في أكثر من منطقة ـــ أثبتت خواء هذه الوعود. من يروّج لهكذا كلامٍ إنّما يضحك على الناس ويزيدهم تورّطًا”. وأشار: “أمّا بشأن تواصل الحزب مع مشايخ العقل وقيادات المجموعات المحليّة لبلورة مبادرة تهدئةٍ، فنحن نعمل بعيدًا عن الأضواء. تحدّث رئيس الحزب السابق وليد جنبلاط بوضوح، وجاء بيان الحزب قاطعًا؛ نقوم بواجبنا من دون إعلامٍ أو دعاية”.

هل تتّجه الأمور إلى التهدئة أم إلى تجدّد التصعيد؟ يجيب: “الحلّ الوحيد يكمن في انخراطٍ أعمق في مسار الدولة. التواصل قائمٌ بين أهالي السويداء والمرجعيات الرسميّة في دمشق؛ فالقنوات مفتوحةٌ منذ زمن، لكنّ بعض الأطراف يزجّ بالمحافظة في مغامراتٍ لم تتعلّمْ من دروس الماضي، فيما يظلّ آخرون منسجمين مع الدولة. وعلى الرغم من الأخطاء، ثمّة مسارٌ عامٌّ يفرض نفسه، إذ لا يمكن لأحدٍ أن يظلّ يماطل إلى ما لا نهاية”. وتابع: “يسأل بعضهم: لماذا تقدّمت محافظاتٌ فيما تأخّرت أخرى؟ الأمر نفسه ينطبق على المناطق؛ هناك من مضى قدمًا، وآخرون ما زالوا يتعثّرون.

المعسكر المقابل: عودة خطاب الحماية الدوليّة
غير أنّ رئيس الحزب الديمقراطيّ اللّبنانيّ طلال أرسلان قدّم مقاربةً معاكسةً تقريبًا؛ إذ شبّه ما يجري في السويداء “بأحداث الساحل السّوريّ” واعتبر أنّ “تدخّل الدول الكبرى والعربيّة بات ضرورةً ملحّةً لوضع حدٍّ لما يجري”، مؤكّدًا أنّ “حماية الدروز والأقليّات لم تعد خيارًا بل واجبًا”. تصريحات أرسلان أعادت إلى الواجهة السجال التاريخيّ داخل البيت الدرزيّ حول حدود التعويل على دمشق من جهة، وعلى المجتمع الدولي من جهةٍ ثانية، خصوصًا بعد تلويح إسرائيل أكثر من مرّةٍ بأنّها “لن تسمح بإيذاء الدروز” في حوض الجولان، وهي رسالةٌ تكرّرت بالتزامن مع إعلان الجيش الإسرائيلي استهداف دباباتٍ في قرية سميع السويدائيّة.

بين الاحتواء والتصعيد.. أيّ أفق؟
يبقى السؤال مطروحًا حول إمكان هدوء العاصفة قبل أن تشتعل جبهاتٌ أخرى. حجّة مناصري “الخيار الأمنيّ” في دمشق أنّ “القوّة وحدها” قادرةٌ على إنهاء المواجهة مع العشائر وضبط السّلاح. أمّا خصومهم في السويداء فيتمسّكون بأنّ “الضمانة الوحيدة” هي بتفاهمٍ واضحٍ مع السلطة المركزيّة يلحظ خصوصيّة المحافظة ويعالج ملفّ الخدمة العسكريّة الإلزاميّة وغياب التنمية، وهي مطالب لطالما تردّدت في بيانات المجتمع المدني هناك. غير أنّ المواجهة الأخيرة كشفت هشاشة الإجماع الداخليّ؛ فالبعض يجاهر بمطلب “حمايةٍ دوليّة” أو حتّى “حمايةٍ إسرائيليّة”، فيما ترفضه الأغلبيّة باعتباره وصفةً لنسف وحدة البلاد.

في لبنان، لا يختلف مشهد الانقسام حول سبل دعم السويداء. فبين تأكيد التقدّمي الاشتراكيّ على “مرجعيّة الدولة السّوريّة” ورفضه المطلق لأيّ تدويل، ثمّة أصواتٌ درزيّةٌ أخرى—وإن كانت أقلّ صخبًا—تتفهم هواجس الأقليّة هناك وتجد أنّ “رعاية دمشق وحدها” لم تعد كافيةً لضمان الأمن والحقوق. لكنّ الخطّ الفاصل يبقى واضحًا في خطاب الأغلبيّة الدرزيّة اللبنانيّة: حماية السويداء لا يمكن أن تأتي إلّا من “بيتٍ داخليٍّ” سوريّ، وأيّ خروجٍ عن هذا المسار سيقود إلى استنزافٍ غير محسوب.

وحتى اللحظة، يراهن الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ على “قنواته” التاريخيّة مع دمشق، وعلى التواصل الهادئ مع مشايخ العقل، من أجل بلورة مخرجٍ يعيد تثبيت “معادلة حماية الدولة المركزيّة”، مع إيصال رسائل تحذيرٍ حازمةٍ إلى أولئك الذين يلوّحون بفكرة “الحماية الدوليّة”. في المحصّلة، ستبقى أنظار الدروز في لبنان معلّقةً على مسار الساعات والأيّام المقبلة في السويداء. فإذا نجحت مساعي التهدئة—بدفعٍ لبنانيٍّ–سوريٍّ مشترك—قد تطوى صفحةٌ مرّةً أخرى فوق جمرٍ لم يخمدْ تمامًا. أمّا إذا تعثّرت، فإنّ القلق من “مواجهةٍ مفتوحة” سيطبع الخطاب الشفهيّ والمواربة في الجبلين. فما بين السويداء والجبل اللبناني علاقة دمٍ وهويّةٍ ضاربةٍ في التاريخ؛ لهذا تبدو بيانات بيروت—على تباينها—أقرب إلى فضّ اشتباكٍ سياسيٍّ يوازي الاشتباك الميدانيّ. الاختبار الحقيقيّ سيظهر في قدرة الدولة السوريّة على فرض الأمن من دون تكريس فراغٍ يغري اللاعبين الإقليميّين بشتى أنواع “الحماية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى