سلايدات

“حزب الله” محاصر بين نارين

كتب نجم الهاشم في نداء الوطن :

إذا كان “حزب الله” عمل بعد سلسلة الضربات الموجعة التي تعرّض لها على أن يتراجع وينكفئ ويتفرّغ لإعادة تنظيم نفسه سياسياً وأمنياً وعسكرياً مستغلّاً مرحلة اتفاق وقف إطلاق النار، فإن عملية ملاحقته المستمرة قد لا تسمح له بأن يلتقط أنفاسه. فالهجمات ضدّه ليست معزولة عن الهجوم الشامل الذي يستهدف محور الممانعة من غزة إلى سوريا ولبنان واليمن وصولاً حتى إيران.

بعد موافقة “حزب الله” على اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني الماضي اختلفت حساباته وتوقعاته كثيراً إلى درجة الانقلاب على كل ما كان ينتظر أن يفعله. هذا الاتفاق كان صار مطلباً لـ”الحزب” بعد اغتيال أمينيه العامَّين السيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، وتصفية معظم قياداته الأمنية والعسكرية، وتدمير الكثير من أسلحته ومقراته وصواريخه. كان “الحزب” يريد أن تتوقّف هذه الحرب بأي طريقة حتى يتسنّى له أن يبقى على قيد الحياة.

حروب تنتهي بهزائم

لقد انخرط “الحزب” في سلسلة حروب مدمرة له خدمة لمرجعيته الدينية والسياسية والأمنية في الجمهورية الإسلامية في إيران. منذ العام 2011 دفع ثمناً كبيراً في الحرب السورية دفاعاً عن النظام. ومنذ 7 تشرين الأول 2023 تكبّد خسائر فادحة في حرب المساندة التي شنّها من لبنان دعماً لحركة “حماس” في غزة.

أراد “الحزب” من خلال اتفاق وقف النار أن ينجو بنفسه. ولكن طريق النجاة ليست آمنة كما ظهر ويظهر من خلال تطورات ما بعد هذا الاتفاق، بحيث أنّ محاولة الهروب من نتائج هذه الحروب باءت بالفشل. فملاحقة الحزب مستمرّة، وأهدافه مكشوفة، وعناوين المعركة ضدّه واضحة ومعلنة.

اعتقد “الحزب” بقيادة السيد حسن نصرالله أنّ حرب المساندة أو المشاغلة قد لا تستمرّ طويلاً لأن إسرئيل ليست قادرة، بحسب تقديراته، على تحمّل حرب طويلة وأنّها مقبلة على الانهيار. منذ انخرط في هذه الحرب، لم تكن لديه قراءة واضحة لها ولأهدافها ولضخامة الرد الإسرائيلي. لم يكن في جَوّ ما نفذته حركة “حماس” بقيادة يحيى السنوار، ولم يكن في جوّ رد الفعل الإسرائيلي والدولي، ولم يكن مصيباً في قراءته أيضاً نقاط القوة التي يملكها.

حسابات النجاة الخاطئة

في سلسلة أحاديث لعدد من قياديي “الحزب”، ومن بينهم أمينه العام الجديد الشيخ نعيم قاسم، بعد اتفاق وقف النار، يمكن اكتشاف مدى الخسارات التي مني بها على رغم التأكيدات أنّها كانت انتصارات، لسبب واحد، وهو أنّ هدف إسرائيل كان القضاء على “الحزب”، وأنّ هذا الهدف لم يتحقّق “طالما نحن مستمرون” كما قال قاسم.

ولكن حتى حسابات النجاة لم تكن في محلّها عند “الحزب”. لقد فقد الكثير من قياداته، وبعد ضربات البيجر واغتيال نصرالله ثم صفي الدين ومعظم قادة الصفين الأول والثاني، اعترف قاسم بالفراغ في القيادة وبالخلل والخسارة. ولكنّه اعتبر أنّه بعد تسلّمه القيادة، تجاوز “الحزب” السقوط وأعاد تكوين قيادته العملانية وملأ المراكز الشاغرة.

تراجع مستمر

ولكن على رغم ذلك أيضاً فقد كانت هذه الحسابات قاصرة عن وقف التطورات السلبية التي كانت تلاحق “الحزب” وتمنعه من التقاط أنفاسه. ومن هذه التطورات:

• انهيار النظام السوري وفرار مجموعات “الحزب” من سوريا، وتهجير عدد كبير من السوريين الشيعة إلى لبنان، وقطع الطريق الذي يربط بين طهران وبيروت. كان “الحزب” يراهن على وقف النار لإعادة تسليح نفسه وقد فشل هذا الرهان.

• راهن الحزب أيضاً على استمرار عملية التمويل من إيران ولكنّه وجد نفسه تحت حصار جوِّي وبحري يستحيل معه وصول الأموال بسهولة، الأمر الذي جعله يبحث عن خيارات أخرى من خلال التهريب. ولكن حتى هذه المحاولات لم تنجح.

• كان الحزب يراهن على تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية، ولكنّه وجد نفسه يواجه استحقاق انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً ثم خيار تسمية نواف سلام لتشكيل الحكومة التي فقد فيها القدرة على التعطيل.

دخول ترامب على الخط

• بعد وقف النار كانت أنظار العالم تتّجه إلى واشنطن بعد فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية. بعد تسلّمه مقاليد الرئاسة بدأت جولة جديدة من التغيير الذي يقوده.

عادت إسرائيل إلى الحرب في قطاع غزة. نفّذ ترامب تهديده ضد الحوثيين في اليمن وبدأ حرباً مفتوحة ضدهم. كما وضع إيران تحت سيف العقوبات وضيّق عليها الخيارات وهو يمهّد لشنّ هجمات عليها إذا لم ترضخ لشروطه. وهذا يعني التحضير لضرب الرأس الذي يدير محور الممانعة الأمر الذي كان “الحزب” مع إيران يخافان منه ويتمنّيان عدم حصوله.

وهذا يعني سقوط رهانات “الحزب” على التعويض عن خساراته بالدعم الذي يأتي من إيران.

• بعد نجاح “الحزب” في تأمين حشد شعبي في تشييع أمينيه العامين نصرالله وصفي الدين، اعتقد أنّه بات يمكنه أن يتحرّك بأمان مستفيداً من وضع نفسه تحت غطاء الحكومة. واعتقد أيضاً أنّ إسرائيل ستكتفي بالبقاء في النقاط التي لم تنسحب منها وأنّها ستلتزم عدم التصعيد.

ولكن تبيّن أنّ حساباته أيضاً في هذا المجال كانت خاطئة وساقطة بحيث أن إسرائيل استخدمت اتفاق وقف النار حتى تواصل تعقّبه وتحركاته من دون ردّ منه، وهذا ما ترجمته في غاراتها التي وصلت إلى الضاحية الجنوبية، وفي متابعة عمليات الاغتيال، الأمر الذي أظهر أن “الحزب” الذي تحدّث عن ملء الفراغات واستعادة المبادرة، لا يزال تحت مقصلة العمليات الإسرائيلية وتحت نظر الشاباك والموساد، وأنّه لم يستفِد من التجارب السابقة ولم يعالج مسألة الخروقات الأمنية التي تعرّض لها، وأنّ المبادرة لا تزال في يد العدو الإسرائيلي.

حصار من غزة حتى طهران

لذلك يبدو أن الأجواء الحالية المتفجّرة من غزة إلى اليمن وصولاً إلى طهران تجعل رهانات “الحزب” مشابهة لرهاناته السابقة وهو بذلك يعرّض نفسه لعملية إلغاء متواصلة، ويضع نفسه بين نارين:

– نار الحرب الإسرائيلية المستمرّة عليه خارج اتفاق وقف النار الذي يبدو أنّه يُلزمه من طرف واحد ولا يقيِّد إسرائيل. وقد ظهر ذلك من خلال تأكيد “الحزب” التزامه الاتفاق وتوكيله عملية الرد إلى الحكومة اللبنانية تهرّباً من نتائج الردّ ومحاولة لإحراج الحكومة.

– نار السلطة الجديدة في سوريا التي تشدّد الحصار عليه وتصفّي ما تبقّى له من مواقع داخل سوريا وتمنع عليه الحركة عبر الحدود.

وثمة نار ثالثة يواجهها مع الحكم في لبنان الذي يخضع لمطالبة دولية بتنفيذ القرار 1701 ونزع سلاح “الحزب”.

وضمن هذا الإطار تُطرح مسألة التهديد الأميركي بوقف المساعدات إلى الجيش والقوى الأمنية إذا لم يتم تنفيذ القرار 1701 وتجاهل مسألة نزع سلاح “الحزب”. ربما نتيجة هذا الأمر يمكن فهم السماح الأميركي لإسرائيل باستكمال عملية الإنقضاض على “الحزب” والقضاء على ما تبقى له من عناصر قوة وأسلحة وتنظيم، بحيث تكتمل حالة الحصار على محور الممانعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى