
كتب وليد صافي في اساس ميديا :
يبدو أنّ سياسة المراوغة والهروب إلى الأمام، التي يتقنها رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، شارفت على النهاية. إذ أظهر استطلاع للرأي، بُثّ يوم الجمعة الفائت على القناة العبرية 12، أنّ غالبية الإسرائيليين لا يثقون بحكومته، ومعظم الجمهور الإسرائيلي يعارض السياسة المتعلّقة بالمحتجزين لدى “حماس”، ولا يوافق على الموازنة التي أُقرّت في الكنيست الأسبوع الفائت.
تعطي هذه الموازنة الأحزاب الدينية التي تمتنع عن إرسال مؤيّديها من طلّاب المدارس الدينية إلى خدمة الاحتياط مكاسب كبيرة، وتغطّي تكاليف الحرب المستمرّة منذ أكثر من 545 يوماً والتي أصبحت تشكّل عبئاً كبيراً على الاقتصاد في إسرائيل.
من جهة ثانية، أطبق فكّا الكمّاشة على نتنياهو بعدما أطلق جهاز الأمن الداخلي “الشاباك” بالتعاون مع المدّعية العامّة غالي بهاراف ميارا ووحدة لاهاف 433 المسؤولة عن الجرائم الكبرى، تحقيقاً مع اثنين من مساعديه وتوقيفهما على خلفيّة تقاضي أموال من بلد (معادٍ) وتسهيل نقل الأموال إلى “حماس” عبر مطار بن غوريون.
يرسم استدعاء نتنياهو لتقديم شهادته في التحقيق بعد توقيف مساعدَيه، معالم المشهد المقبل، حيث تطالب أحزاب المعارضة بالتحقيق معه بصفته متورّطاً بملفّ تحويل الأموال إلى “حماس”، والتغاضي عن الأخطار التي تشكّلها. إذ في رأيهم أنّ هذه الأموال تسبّبت بإطلاق عملية 7 أكتوبر 2023. والواضح الذي لا يحتاج إلى أيّ دليل هو أنّ نتنياهو كان يعمل باستمرار على تغذية الانقسام بين “حماس” والسلطة الفلسطينية، لتكريس وضع يدّعي فيه غياب الطرف الفلسطيني القادر على إقامة سلام مع إسرائيل، فيستطيع تعزيز الاستيطان في الضفّة الغربية وضرب كلّ المسار الذي بناه ياسر عرفات على طريق حلّ الدولتين.
تربط الانتقادات ين مراهناته على دور الأموال النقدية المنقولة إلى “حماس” واستمرارها في حكم غزة لشراء الهدوء، وبين عملية 7 أكتوبر
وهمُ شراء سكوت الفلسطينيّين
توهّم نتنياهو شراء سكوت الفلسطينيين في غزّة من خلال المشاريع التجارية والحوافز الاقتصادية. وقد عهد في هذا الأمر إلى الملياردير شلومي فوغل، المساهم الرئيسي في أحواض بناء السفن الإسرائيلية. وفي هذا الإطار، نقلت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” عن “the Marker” أنّ أحد الشركاء المقرّبين من نتنياهو لعب دوراً مباشراً في تنسيق التحويلات النقدية إلى “حماس” في غزة في السنوات الأخيرة، وأنّ رئيس الوزراء ساعد في دعم الحركة، “بينما أخطأ بشكل كارثيّ في حساب نيّات الجماعة الإرهابية”. ونقلت الصحيفة أيضاً أنّ هذا الملياردير الإسرائيلي استخدم رجال الأعمال في غزّة مراراً وتكراراً وسطاء لنقل الرسائل والضغوط على دولة قطر لتسريع نقل الأموال، تحت دعوى أنّ القيام بذلك سيساعد في استقرار الوضع ومنع التصعيد العنيف على طول الحدود.
عزل السّلطة الفلسطينيّة
تربط الانتقادات الموجّهة إلى نتنياهو بين مراهناته على دور الأموال النقدية المنقولة إلى “حماس” واستمرارها في حكم غزة لشراء الهدوء، وبين عملية 7 أكتوبر. وذكرت “تايمز أوف إسرائيل” أنّ العديد من مساعدي نتنياهو السابقين شهدوا على علاقات رئيس الوزراء الوثيقة مع فوغل، الذي دعا إلى استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى عزل السلطة الفلسطينية، ومنع الاعتراف بها دولة مستقلّة دوليّاً، مع دعم التنمية الاقتصادية في غزة في الوقت نفسه من خلال المشاريع التجارية. وذكرت أيضاً أنّه في مقابلة أُجريت عام 2016 مع صحيفة “غلوبس” الاقتصادية، تحدّث فوغل عن غزّة بالقول: “مع ما يقارب 800 دولار للفرد من الناتج المحلّي الإجمالي، ليس من شكّ في أنّ مليونَي شخص في قطاع غزة سيحاولون مراراً وتكراراً هزّ الشجرة وإزعاج إسرائيل، حيث يبلغ نصيب الفرد فيها من الناتج المحلّي الإجمالي 37,000 دولار”، وهو ما يعني أنّ الاستثمار في اقتصاد غزّة سيكون استثماراً في أمن إسرائيل.
توهّم نتنياهو شراء سكوت الفلسطينيين في غزّة من خلال المشاريع التجارية والحوافز الاقتصادية
وتابع فوغل: “لنفترض أنّنا صباح الغد نمنح [رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس] دولة. ليس لديّ شكّ… في أنّ نسبة كبيرة من اللاجئين، أوّلاً وقبل كلّ شيء من سوريا والعراق… ستبدأ بالتدفّق إلى الضفّة الغربية”، مضيفاً أنّنا “سنجد 1 – 1.5 مليون لاجئ آخر قادمين للعيش بالقرب منّا، وأيضاً في رحوفوت والقدس”.
اللّيكود: التّحقيق في قطر غيت “انقلاب”
أثار استدعاء نتنياهو للتحقيق معه بشأن تحويل الأموال النقدية إلى “حماس” انقساماً كبيراً بين حزب الليكود الذي يصف هذه التحقيقات بالانقلاب وبين أحزاب المعارضة التي تدعم القضاء في إجراءاته المتّخذة. وكتب سام سوكول في مقالة في “تايمز أوف إسرائيل”: “بعد اعتقال اثنين من كبار مساعدي نتنياهو يوم الإثنين، ومع استدعاء رئيس الوزراء للإدلاء بشهادته أمام الشرطة، أصدر حزب الليكود الحاكم بياناً ضدّ “التحقيقات المفبركة”، زاعماً أنّ مكتب المدّعي العامّ وجهاز الأمن “الشاباك” كانا يعملان على تنفيذ انقلاب من خلال أوامر الاعتقال”.
وأضاف الليكود أنّ “الاعتقال البلطجيّ لمساعد نتنياهو جوناتان أوريتش هو أدنى مستوى جديد في المطاردة السياسية للإطاحة برئيس الوزراء ومنع إقالة رئيس الشاباك الفاشل”، في إشارة إلى رونين بار، الذي يتمّ الطعن في إقالته أخيراً من قبل نتنياهو في محكمة العدل العليا.
المعارضة: نتنياهو باع الأمن مقابل المال
استعرض سوكول في مقالته ردود المعارضة على موقف حزب الليكود الحاكم. فقد صرّح زعيمها يائير لابيد بأنّ “حزب نتنياهو لم ينكر أنّ المقرّبين من رئيس الوزراء تلقّوا أموالاً من الدوحة”، وأنّ “الجملة التي لا تظهر في بيان الليكود والتي تجدر الإشارة إليها: “لم يتلقَّ أحد من مكتب بنيامين نتنياهو أموالاً من قطر”. وبرأي لابيد فإنّ “السبب في عدم ظهور هذه الجملة هناك هو أنّ الناس في مكتب بنيامين نتنياهو تلقّوا أموالاً من بلد معادٍ في زمن الحرب”.
يبدو أنّ سياسة المراوغة والهروب إلى الأمام، التي يتقنها رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، شارفت على النهاية
جادل لابيد في أنّه يجري التحقيق معه من أجل هذا الآن، ويجب التحقيق معهم جميعاً من أجل ذلك، “فمن بين جميع فضائح الأمن الجنائي في مكتب رئيس الوزراء، هذه ليست الأكثر خطورة فحسب، بل هي أيضاً الأكثر إزعاجاً وخطورة”. ونقل سوكول أيضاً عن رئيس حزب “إسرائيل بيتنو” أفيغدور ليبرمان قوله إنّ ما جرى هو “زلزال إعلامي يبلغ قياسه 9 درجات على مقياس ريختر”، وإنّ “دوران نتنياهو المزعوم يهدف إلى صرف انتباه الإسرائيليين عن ثلاث أولويّات وطنية رئيسية: عودة الرهائن، وإنشاء لجنة تحقيق حكومية في هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، وإقرار قانون التجنيد الذي يشمل الرجال الأرثوذكس المتطرّفين”.
تعليقاً أيضاً على هذه التطوّرات، دعا رئيس حزب الديمقراطيين يائير جولان إلى إجراء تحقيق مع رئيس الوزراء نفسه. وقال: “لم يفشل نتنياهو في الأمن فحسب، بل يجب التحقيق معه في شأن الاشتباه الخطير في أنّه باع الأمن مقابل المال، وهو نفس المال الذي موّل حماس ومذبحة أكتوبر التي وصلت إلى قمّة مكتبه وربّما هو نفسه. سيفعل نتنياهو كلّ شيء لمنع الحقيقة من الظهور، ولذلك فعل المدّعي العامّ الشيء الصحيح من خلال الأمر على الفور باستدعاء نتنياهو للاستجواب”.
رفضت قطر هذه الاتّهامات، لكنّ مقصلة “الشاباك” الذي تعرّض لإقالة رئيسه من قبل نتنياهو تقترب من رقبته، ويبدو أنّ عمره السياسي لن يطول أبعد من تشرين الأوّل عام 2026، موعد الانتخابات التشريعية في إسرائيل، وإنّ تشرين لناظره قريب.