
كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:
يعيد لبنان اختبار الأزمات ذاتها الّتي عرفها في محطّات سابقة، كلما طُرحت عليه خيارات تمسّ جوهر وجوده كدولة مستقلّة. وتكمن المفارقة في كونه دولة مقيّدة في ممارسة سيادتها، وخاضعة لتقلبات سيادة منقوصة، إن لم تكن في أحيان كثيرة شبه معطّلة.
في محطات مفصليّة، وجد لبنان نفسه أمام معادلة قاسية: إمّا الانزلاق إلى الحرب الأهلية، أو محاولة تثبيت سيادته. وتعود جذور هذا الإشكال إلى أزمة الشرعية المزمنة الّتي رافقت مختلف مراحل تاريخه الحديث. وقد برز ذلك بشكل خاص في مجاليْ السياسة الخارجية والدفاع، حيث أُجبر على تقديم تنازلات تمسّ طبيعة خياراته الاستراتيجية، سواء في سياق الحروب الباردة في العالم العربيّ، أو في ظلّ توظيف القضية الفلسطينية في صراعات القوى الإقليمية والدوليّة، كما في امتدادات التيارات اليساريّة.
في هذا السّياق، كثيرًا ما اصطدمت النصوص الدستوريّة بواقع موازين القوى، فتقدّمت الاعتبارات السياسية والأمنية على حساب الآليّات المؤسساتية. وهكذا، كان القرار السياسي يُنتزع من إطاره الدستوريّ ليُحسم في خارج الأطر التقليديّة، بينما تتراجع النقاشات البرلمانيّة، والإجراءات القانونية، وآليّات التحكيم أمام أولوية تفادي الانفجار الأمنيّ أو الانقسام الداخليّ. والنتيجة كانت انزياحًا متكرّرًا نحو منطق القوة، بما يحمله من ارتدادات الحرب الأهليّة، وأشكالها المتجدّدة.
وعلى امتداد العقود السبعة الماضية، ساهم تداخل النزاعات الإقليمية مع الداخل اللبنانيّ في إبقاء البلاد في حالة انكشاف مزمن أمام التوازنات الخارجية. وقد أدّت التحالفات المرتبطة بمنظمة التحرير الفلسطينية واليسار اللبنانيّ، ثمّ التحولات الإقليمية اللاحقة، إلى جانب النفوذ الإيرانيّ المتنامي، إلى تقليص هامش الاستقلال الفعليّ. وتآكلت مع الوقت الفكرة العملية للدولة، وتحوّل لبنان في مراحل مختلفة إلى ساحة تتقاطع فيها الصّراعات، وتُدار فيها الحسابات، وتُعاد فيها صياغة موازين القوى الإقليمية والدولية.
يمثّل ملف حزب الله امتدادًا لهذه الجينيالوجيا، لكنّه يبدو في الوقت عينه وكأنّه يدفعها نحو مسار جديد يقوم على منطق هيمنة ذي أبعاد جيوسياسية، ومجتمعية متداخلة. وقد تلقّت سياسة “المنصّات العملياتية المتكاملة”، الّتي شكّلت إطارًا لتوسّع النفوذ الإيرانيّ الاقليميّ، ضربة قوية بفعل الهجوم الإسرائيلي المضاد الّذي تلا حرب السابع من تشرين الأول 2023. وقد أعاد هذا التحوّل خلط قواعد الاشتباك، وفتح الباب أمام إعادة تعريف أوسع لمعادلات القوة في المنطقة. نحن في خضمّ ديناميّة قطيعة، وإعادة تموضع.
وكان يمكن أن تشكّل الدينامية السياسية الّتي أعقبت الانتخابات الرئاسية وتشكيل حكومة انتقالية، فرصة لإعادة تفكيك البنى الصلبة الّتي كرّستها معادلات الهيمنة الشيعية. غير أنّ السلطة الجديدة لم تنجح في التقاط لحظة التحوّل، وبقيت إلى حدّ بعيد أسيرة الإرث الأيديولوجيّ، وتوازنات الداخل، وشبكات المصالح المتجذّرة في المؤسسة العسكرية، وإدارة عامة تعاني اختلالات بنيويّة عميقة. ومهما تعدّدت الخطابات الاصلاحيّة، فإنّها لم تتحوّل إلى مسار فعليّ قادر على كسر الجمود، أو إعادة إنتاج توازن سلطويّ مختلف.
ويُستخدم مفهوم “الدولة العميقة” هنا للدلالة على بنية إدارية، وسياسية متداخلة، تغلغل فيها الثنائيّ الشيعيّ عبر شبكات نفوذ عابرة للمؤسسات، ما أفضى إلى قدر من التحكّم في أجهزة الدولة الّتي باتت تعمل أحيانًا بمنطق متوازٍ أو متداخل. فالمؤسسة العسكرية والأمنية، والمالية العامة، وقطاعات التّعليم، والصحة، والأشغال العامة، والضمان الاجتماعيّ، والجامعة اللبنانية، تعكس جميعها واقعًا من التداخل البنيويّ الّذي يُضعف قواعد الحوكمة، ويُقوّض منطق دولة القانون لصالح موازين القوة الفعلية.
من غير المعقول الحديث عن أي مسار إصلاحيّ في لبنان في غياب إطارٍ للاستقرار يضع حدًّا لبنية “الدولة التابعة”، وللقيود الّتي تفرضها معادلات الهيمنة الشيعية وتفرعاتها الأوليغارشية والطائفية. لقد أدّى الاصطفاف الأيديولوجيّ والاستراتيجيّ في اتجاه النظام الإيرانيّ إلى دفع لبنان تدريجيًّا نحو مسار تآكل فيه كيانه بشكل عميق، بما يقوّض شرعيّته وسرديّته المدنية، ويشلّ خياراته السياسية، والمؤسساتية، والاستراتيجية.
لقد فقد لبنان خصائص الدولة المستقلة إلى حدّ بعيد. وهذا ما يفسّر عجزه عن استعادة مبادرته الدبلوماسية، أو إعادة تفعيل حضوره الخارجيّ على قاعدة توافق وطنيّ جامع يقوم على مواطنة فعلية. غير أنّ هذا الأفق بات معطّلًا، عمليًّا، ما دامت المؤسسات العامة خاضعة لتوازنات مفروضة. فلبنان لا يملك قدرة فعلية على التزام دبلوماسيّ مستقلّ طالما أنّ قراره السياديّ مكبّل بقيود تمسّ جوهر وظيفته كدولة. وهو، في ظلّ هذا الجمود، أمام استحقاق الخروج منه لتفادي المزيد من الانزلاقات الداخلية، وسيناريوهات الانفجار المحتملة.
ويُقدَّم مقترح السلام والتحكيم المطروح على الحكومة اللبنانية باعتباره فرصة نادرة لا يمكن التفريط بها إلّا في اتجاه المزيد من الانهيار، أو الفوضى المؤسسية. ويرتبط رفضه، وفق هذا التصوّر، بعوامل تتّصل بسياسة التعطيل الاقليميّة الّتي تُوظّف الساحة اللبنانية، في حين يُنظر إلى حزب الله كفاعل اختار منطق التصعيد كخيار استراتيجيّ. وفي هذا السّياق، يُفترض أن تنأى السلطة التنفيذية بنفسها عن منطق الابتزاز السياسيّ، وأن تعمل على تفكيك مفاعيله بدل الاكتفاء بالتكيّف معه، أو إعادة إنتاجه.
الخيار الأميركيّ هو الطريق الملكيّ للخروج من هذا الواقع، واستعادة السيادة، وإعادة إدراج قضايا السلام الاقليميّ، لا سيّما ما يتّصل بالعلاقات مع دولة إسرائيل. ويُعتَبر اللقاء بين الرئيس اللبنانيّ ورئيس الوزراء الاسرائيليّ، وفق هذا الطرح، خطوةً ضرورية ومفيدة لتحقيق السلام، والعبور عبر البوابة الكبرى، أي بوابة البيت الأبيض، وتحكيم الرئيس الأميركيّ الشخصيّ.
أمام الرئيس جوزاف عون والرئيس نواف سلام تحدٍّ حاسم إذا ما أرادا إخراج هذا البلد من دوامة سبعين عامًا من الحروب المتكرّرة. فحزب الله لا يرى أفقًا سوى الحرب، بينما تطرح الولايات المتّحدة خيار السلام كمسارٍ ممكن، ويبقى القرار في نهاية المطاف بيد السلطة اللبنانية.




