
منذ اندلاع الحرب السورية عام ٢٠١١، وجدت الطائفة الدرزية نفسها في قلب العاصفة المحلية والإقليمية. ففي المرحلة الأولى من الثورة، تأرجحت مواقفها بين النظام والمعارضة، غير أنّ معظم الشبان الدروز سرعان ما انكفأوا عن الخدمة في جيش النظام. ومع صعود الجماعات المتشددة وتسيّدها للمشهد المعارض، ازدادت معاناة الدروز، إذ أصبحوا بين مطرقة النظام وسندان الجماعات التكفيرية التي تتربص بهم.
ويمكن القول إن مأساة الدروز، بدءًا من أحداث جبل السماق مرورًا بهجوم “داعش” على جبل العرب عام ٢٠١٨ وصولًا إلى الانتهاكات الأخيرة التي مورست بحقهم من قوى النظام الجديد، جعلت مصيرهم يتأرجح بين معطيات الجغرافيا السياسية في مناطق وجودهم وبين الصراع على مستقبل سوريا، ولا سيما التنافس المحتدم بين تركيا وإسرائيل. أما الدور الأميركي والسعودي والأردني والقطري، فيسعى بدوره إلى إدماج الأقليات – ومنهم الدروز – ضمن صيغة جديدة لسوريا، وسط تقاطع هذه المشاريع المتناقضة.
جبل السُمّاق: المحطة الأولى للمأساة
في بدايات الأزمة السورية، تعرّضت القرى الدرزية في شمال غرب سوريا، ولا سيما في جبل السُمّاق، لهجمات متكررة من الجماعات السلفية المسلحة، أبرزها “جبهة النصرة”. ففي حزيران ٢٠١٥، ارتكبت الجبهة مجزرة في قرية قلب لوزة، أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين.
على إثر ذلك، تحرك وليد جنبلاط دبلوماسيًا باتجاه تركيا، طالبًا توفير حماية عاجلة للقرى الدرزية أو السماح بانتقال سكانها إلى جبل لبنان. ورغم تعهّد أنقرة بالعمل على تأمين الحماية، فإن ضغوطها على “جبهة النصرة” لم تمنع الأخيرة من فرض أنماط عيش غريبة عن تقاليد الدروز وخصوصيتهم الدينية.
الوزارات السيادية في الحكومة الانتقالية، ولا سيما الدفاع والأمن، وقعت تحت هيمنة مجموعات عقائدية راديكالية تسعى إلى فرض الشريعة الإسلامية وتهميش حقوق الأقليات.
السويداء ٢٠١٨: هجوم “داعش” ووساطة روسية
بعد ثلاث سنوات، واجهت محافظة السويداء إحدى أشرس الهجمات الإرهابية في سوريا. ففي ٢٥ تموز ٢٠١٨، شنّ تنظيم “داعش” هجومًا واسعًا قتل خلاله أكثر من ٢٥٠ مدنيًا وخطف العشرات من النساء والأطفال. شكّل هذا الحدث محطة مفصلية أظهرت هشاشة التوازن الأمني في مناطق الأقليات السورية.
تدخّل وليد جنبلاط آنذاك عبر اتصالات مع موسكو، سعيًا إلى تحرير المخطوفين وضمان حماية المدنيين. وأسهمت الوساطة الروسية في إطلاق سراح دفعات منهم، لتتأكد بذلك حقيقة أن حماية الدروز لم تعد ممكنة بإمكاناتهم الذاتية فقط، بل باتت رهينة التوازنات الإقليمية والدولية.
المرحلة الراهنة: السلطة الانتقالية وتحديات السويداء
مع سقوط نظام بشار الأسد وبروز السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، دخلت السويداء منذ نحو عدة أشهر مرحلة جديدة من المخاطر.
فالوزارات السيادية في الحكومة الانتقالية، ولا سيما الدفاع والأمن، وقعت تحت هيمنة مجموعات عقائدية راديكالية تسعى إلى فرض الشريعة الإسلامية وتهميش حقوق الأقليات. كما برزت انقسامات داخلية في السويداء بين من يقدّم مصالحه الخاصة على المصلحة الجماعية، وبين من يسعى إلى الحفاظ على التماسك الاجتماعي. هذا الانقسام جعل المحافظة عرضة لتهديدات متجددة، استحضرت في أذهان أبنائها مشاهد مجزرة ٢٠١٨ وكأن الزمن لم يتغير.
ولم تقف التهديدات عند هذا الحد، إذ شهدت السويداء مؤخرًا هجومًا واسعًا شنّته قوات الأمن العام ووزارة الدفاع في السلطة الانتقالية، مدعومة ببعض العشائر والبدو، على المحافظة. وقد ارتكبت هذه القوات مجازر مروّعة شملت تنفيذ إعدامات جماعية وقتل الأطفال والمسنين، إلى جانب خطف النساء والفتيات والأطفال وارتكاب جرائم اغتصاب تخطّت بأضعاف ما ارتكبه تنظيم “داعش” عام ٢٠١٨. وأسفرت هذه الأحداث الدامية عن سقوط ما يزيد على ألفي قتيل، وأكثر من مائة مخطوف من النساء والأطفال، ما أثار استنكارًا واسعًا من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، فضلًا عن إدانات قوية من منظمات المجتمع المدني في معظم الدول الغربية، التي اعتبرت ما جرى “جريمة ضد الإنسانية” وفق توصيف تقارير عدة.
وقد ترددت أصداء هذه المجازر داخل الطائفة الدرزية في لبنان وفلسطين والجولان. فبحسب مصادر مطلعة موثوقة أجرى وليد جنبلاط سلسلة اتصالات مع باريس وواشنطن والرياض وأنقرة، محذرًا من “خطر إبادة جماعية وشيكة تستهدف الوجود الدرزي في سوريا”. كما أصدر الشيخ موفق طريف، الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في الأراضي المحتلة، بيانًا رسميًا طالب فيه المجتمع الدولي بـ”تدخل عاجل لتأمين الحماية ووقف المجازر”، داعيًا أبناء الطائفة في العالم إلى التضامن الكامل مع إخوانهم في جبل العرب. وفي الجولان السوري المحتل، نقلت وسائل إعلام محلية خبر خروج مظاهرات تضامنية واسعة رفعت شعارات تطالب بإرسال قوات دولية لحماية المدنيين، معتبرة أن “التغاضي الدولي عمّا يجري في السويداء سيكرّس سياسة العقاب الجماعي ويحوّل الطائفة إلى رهينة المشاريع الخارجية”.
وفي هذا السياق، أطلق وليد جنبلاط مؤخرًا مبادرة سياسية خاصة بالسويداء، جاءت هذه المرة بتشجيع سعودي وتركي، بهدف الدفع نحو حل سياسي يحمي خصوصية الجبل ويمنع تهميش مكوناته في أي تسوية مستقبلية للأزمة السورية، وهو ما أعطى بعدًا إضافيًا لتحركاته الدولية السابقة
التدخل الإسرائيلي: حماية أم مشروع نفوذ؟
لقد شكّل التدخل الإسرائيلي محطة فارقة في مسار الأحداث الأخيرة، إذ إن الضغوط التي مارستها تل أبيب، سواء عبر رسائلها الميدانية المباشرة أو من خلال قنواتها السياسية غير المعلنة، ساهمت بشكل واضح في إيقاف الهجمات التي كادت أن تجرّ محافظة السويداء إلى سيناريو إبادة جديد، فيما تزامنت هذه الضغوط مع التحركات التي قام بها وليد جنبلاط على مستوى اتصالاته المكثفة مع عدد من العواصم الإقليمية والدولية، من الرياض إلى واشنطن وأنقرة، ما أسفر في نهاية المطاف عن انسحاب الجماعات المهاجمة وتراجعها عن تنفيذ مخططاتها. غير أنّ المشهد لم يكن خاليًا من التناقضات، إذ أبقت أجهزة الدولة السورية، ممثلة بالأمن العام ووزارة الدفاع، على حضورها العسكري والأمني المشدّد على تخوم المحافظة بذريعة “الحماية من الاعتداءات”، بينما تكشف الوقائع أن هذا الوجود تحوّل عمليًا إلى حصار شامل طال الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية، فعمّق من معاناة السكان وفاقم من هشاشتهم البنيوية إزاء أي تهديد محتمل في المستقبل.
أطلق وليد جنبلاط مؤخرًا مبادرة سياسية خاصة بالسويداء، جاءت هذه المرة بتشجيع سعودي وتركي، بهدف الدفع نحو حل سياسي يحمي خصوصية الجبل ويمنع تهميش مكوناته
وإذا كان هذا التدخل الإسرائيلي قد ظهر في لحظته الأولى على أنه فعل وقائي يهدف إلى منع تمدّد الفصائل الراديكالية نحو حدود الجولان، فإنّ القراءة الأعمق تكشف عن كونه جزءًا من مشروع نفوذ بعيد المدى، إذ تسعى تل أبيب إلى استغلال هشاشة السلطة الانتقالية وصعود الجماعات العقائدية التكفيرية لترسيخ حضورها الاستراتيجي في الجنوب السوري عبر إنشاء مناطق عازلة تبعد الخطر عن حدودها الشمالية، وفي الوقت ذاته الدفع باتجاه ما تسميه بعض الأوساط الإسرائيلية “ممر داوود”، الذي يُفترض أن يؤمّن لإسرائيل مصالح اقتصادية وتجارية طويلة الأمد، من خلال تأمين خطوط الطاقة والتبادل التجاري، وإيجاد مسار آمن يكرّس ربط هذه المصالح بمشاريعها الإقليمية. ومن هنا، يتضح أن استخدام الطائفة الدرزية كورقة سياسية تحت شعار “حماية الأقليات” ليس سوى أداة إضافية في هذا المشروع، إذ يجري التلويح بخيار استقلال جزئي للسويداء بما يوفّر غطاءً سياسيًا لفكرة الحماية، بينما تبقى السيطرة الفعلية بيد المصالح الإسرائيلية.
وعليه، فإن التدخل الإسرائيلي، على الرغم من مظهره الوقائي الذي ساهم في إيقاف الهجمات ووفّر غطاءً مؤقتًا للأهالي، لا يمكن النظر إليه خارج سياقه الاستراتيجي الأشمل الذي يندرج في إطار إعادة رسم معادلات النفوذ في الجنوب السوري وتكريس حضور إسرائيلي مستدام يتجاوز حدود “الحماية” إلى أفق سياسي واقتصادي طويل الأمد.
تسعى تل أبيب إلى استغلال هشاشة السلطة الانتقالية وصعود الجماعات العقائدية التكفيرية لترسيخ حضورها الاستراتيجي في الجنوب السوري عبر إنشاء مناطق عازلة
السويداء بين التحديات وإمكانات الصمود
إن تشابك التدخلات الإقليمية والدولية – من روسيا سابقًا، إلى الولايات المتحدة والسعودية وقطر والأردن وتركيا، وصولًا إلى إسرائيل اليوم – يجعل مستقبل السويداء محكومًا بموازين قوى متناقضة. فمصير الدروز لا يُقاس فقط بقدرتهم على الصمود في وجه التطرف، بل بمدى نجاح القوى الإقليمية في بلورة صيغة سياسية تدمجهم ضمن معادلة وطنية تحافظ على التعددية وتكبح اندفاعة الأيديولوجيات الراديكالية.
ويبقى السؤال الكبير: هل ستظل حماية الدروز مرهونة بتدخلات خارجية متصارعة، أم يدرك النظام الانتقالي مسؤوليته في تكريس معادلة سياسية تقوم على المساواة والولاء الوطني؟ أما على الصعيد الداخلي، فالتحدي الأبرز أمام نخب جبل العرب يتمثل في قدرتها على صياغة رؤية موحدة تضمن بقاء الطائفة ومشاركتها السياسية في سوريا الجديدة، ضمن عقد اجتماعي يحول دون استغلال جغرافيتها لأي مشروع نفوذ خارجي.