
كتبت جوانا فرحات في المركزية:
ليس التوغل الإسرائيلي أمس في بيت جن في ريف دمشق بحادثة معزولة أو “مهمة خاصة” كما تحاول تل أبيب تقديمها. إنما هو جزء من استراتيجية شاملة تهدف إلى إعادة صياغة الواقع الأمني والجغرافي في جنوب سوريا عبر فرض سيطرة فعلية، تغيير قواعد الاشتباك، وخلق مناخ مستمر من الخوف وعدم الاستقرار.
فبذريعة اعتقال “مُشتبه بهم إرهابيين يُزعم أنهم كانوا يخططون لاستهداف مواطنين إسرائيليين” ، توغلت قوة عسكرية إسرائيلية فجر الجمعة 28 تشرين الثاني إلى بلدة بيت جن في ريف دمشق الغربي. العملية تخللتها اشتباكات مع “الأهالي” مما دفع القوات الإسرائيلية إلى قصف البلدة بالصواريخ أدت إلى مقتل 13 مدنيا عدا عن الإصابات ونزوح جماعي لسكان البلدة.
بالنسبة لسكان ريف دمشق والمناطق المجاورة، هذا يعني أن حياتهم اليومية لم تعد تُدار من قبل الدولة فقط، بل أصبحت خاضعة لتوازنات عسكرية ــ أمنية بين قوى خارجية، ما يكرّس هشاشة الأمان وتشظّي المجتمع.
أما على الصعيد السياسي والدبلوماسي، فهذه التطورات تُعيد الملف السوري إلى واجهة الصراعات الإقليمية، وتجعل أي حديث عن “استقرار” أو “إعادة إعمار” مشروطاً بتحولات عميقة في الوضع الأمني والحدودي، وهو ما يضع السوريين في مأزق كبير بين بقاء قسري في مناطق محفوفة بالخطر أو نزوح وفقدان للأرض والهوية.
الجانب الرسمي السوري أدان عبر وزارة الخارجية “الإعتداء الإجرامي “واصفاً اياه بـ”جريمة حرب مكتملة الأركان وتستدعي وقفة دولية عاجلة”. وهنا السؤال “كيف لدولة تحظى بدعم غالبية رؤساء الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا وتستقبل الولايات المتحدة رئيسها أحمد الشرع بحفاوة بالغة في البيت الأبيض أن تتعرض من قبل إسرائيل الحليف الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة لهذه الضربات العسكرية؟ وهل يتم التنسيق بين إسرائيل وواشنطن قبل تنفيذ عمليات عسكرية في الداخل السوري أم أن حكومة نتنياهو تستفرد بقراراتها التي تؤمن مصالحها الأمنية والسياسية؟
الكاتب والمحلل الجيوسياسي الدكتور جورج أبو صعب يوضح حقيقة المعادلة السورية ويقول لـ” المركزية”: في السياسات العامة الخارجية والإتفاقيات الأمنية وفتح أبواب سوريا أمام الإستثمارات الإقليمية والدولية يسير أحمد الشرع بكل متطلبات الإدارة الأميركية. لكن هذا لا يمنع على إسرائيل حق التفكير بأمنها القومي، وهناك هامش معطى لنتنياهو للقيام بما يناسب أمنه القومي عبر القيام بعمليات عسكرية في سوريا وفق تعريف حكومته. وهنا نفهم أن ما يحصل ليس “قبة باط” أميركية إنما متفق عليه بين الأميركي والإسرائيلي تماما كما الحال في اتفاق وقف إطلاق النار في غزة وفي لبنان، بالتالي ما يمارس اليوم في ريف دمشق هو تدخل إسرائيلي موضعي من أجل وضع أو رسم معادلات سياسية استراتيجية باللغة العسكرية في وجه أحمد الشرع وإيعاز إسرائيلي أن ارتماءه في أحضان الولايات المتحدة يعني أنه بمنأى عما تراه إسرائيل لصالح أمنها القومي”.
أهداف هذه المعادلة بحسب أبو صعب تقوم على التالي” إعادة إحياء اتفاق فصل القوات واتفاق الهدنة الموقع عام 1974 الذي بقي يتحكم بالعلاقة بين آل الأسد وإسرائيل وبعد سقوطه ووصول نظام جديد، اعتبرت إسرائيل أنها بحل من هذا الإتفاق وبالتالي وبدأت بعملياتها العسكرية في الداخل السوري تارة في السويداء وأخرى في ريف دمشق وبدعم أفرقاء ضد النظام المركزي في دمشق . والمرجح أن تستمر في هذه المعادلة إلى حين توقيع الشرع اتفاقية أمنية مع إسرائيل. آنذاك تتوقف كل هذه الأعمال بضمانة أميركية. لكن إلى حينه فإن كل طرف يسعى إلى تحسين شروطه على الأرض.
بالتوازي، يضع أبو صعب الكلام عن موجة نزوح عدد كبير من مسيحيي سوريا إلى لبنان “في خانة التضخيم الإعلامي الذي تتولاه مجموعة سياسية إعلامية بهدف ضرب مصداقية حكومة دمشق الحالية. وبالتالي ليس كل ما يقال في الإعلام صحيح.
وللمرة الأولى يكشف أن أهداف العمليات العسكرية في سوريا هي ضرب ما تبقى من بنى تحتية للنظام السابق ويقول” هناك قرار أميركي إسرائيلي بضرب كل فلول سلاح روسيا في الجيش السوري القديم بدءاً من الأسلحة الفردية وصولا إلى الصواريخ إضافة إلى تدمير كل البنى الإستخاراتية والأمنية والعسكرية وحتى مخازن الأسلحة. ومن هنا نفهم تركيز العمليات الإسرائيلية منذ فترة على مطار حميميم ومطار دمشق حيث توجد مخازن الأسلحة الروسية إذ هناك قرار بمنع وجود أي سلاح روسي بعد اليوم في سوريا إلا السلاح الأميركي” .
معادلة تخدم نظام الشرع إلى حد ما ” لكن ليس كل ما يُقال يُفعل، وليس كل ما يُفعل على الأرض يعكس حقيقة ما يُقال في الأروقة الديبلوماسية وأروقة المفاوضات. فالتناقض بين المواقف والأفعال على الأرض أمر طبيعي في الجيوبوليتيك. وهذا المبدأ ينطبق تماما على لبنان. إذ ليس كل ما يصدر عن الحكومة وحزب الله من كلام ومواقف هو حقيقة وليس كل ما تقوله إسرائيل أو أميركا يعكس حقيقة الأمر حقيقة كما الحال في شأن المفاوضات الأميركية-الإيرانية. إذ يعتبر البعض أن هذا يسجل نقطة ضعف للولايات المتحدة وهذا خطأ لأن القوي لا يخضع للضعيف إنما العكس تماما ويفرض شروطه عليه” يختم أبو صعب.
ليست عملية التوغل الإسرائيلية في ريف دمشق أمس الأولى، فهي تأتي في سياق تصعيد عسكري موسّع من قبل إسرائيل في الجنوب السوري بدأ منذ نهاية العام 2024، حيث وسّعت سيطرتها على مناطق كانت جزئياً تحت مراقبة دولية. وهي مستمرة في ترسيخ موقع إستراتيجي لها في جنوب سوريا، يتيح لها حرّية أكبر في الحركة والمراقبة وربما التحكم في ما يُعتبر “مناطق حساسة” قرب دمشق والجولان.



