
كتبت جوانا فرحات في المركزية:
لا يوحي المشهد السياسي بأن انتخابات الـ2026 ستجري في موعدها في أيار المقبل والتأجيل بات في حكم المبرم بعد تصريح نائب رئيس مجلس النواب الياس بوصعب اليوم من القصر الجمهوري بعد لقائه الرئيس جوزاف عون.
مع ذلك تشهد الساحة السياسية تصاعداً ملحوظاً في حملات الاستهداف السياسي والإعلامي التي تطال شخصيات سنّية دينية وسياسية، في مقدّمها رئيس المركز الإسلامي للدراسات والإعلام القاضي الشيخ خلدون عريمط، إضافة إلى عدد من النواب والمرشحين السنّة المحتملين للانتخابات النيابية عام 2026. ويأتي هذا التصعيد في توقيت بالغ الحساسية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول أسبابه، وأبعاده، والجهات المستفيدة منه.
في البيان الذي أصدره القاضي عريمط اشار فيه إلى الحملة المبرمجة من الشائعات والأضاليل التي يتعرض لها ، من خلال الإشارات الخفيّة والتسريبات الكاذبة والابتزازات المشبوهة، إضافة إلى رسائل تهديد عبر الواتساب”. ومع تمادي “الجهات” التي باتت معروفة تقدم القاضي عريمط بشكوى أمام النيابة العامة المختصّة، حرصاً على حقّه وحمايةً لأي شخص قد يتعرّض لمثل هذه الممارسات اللاأخلاقيّة، والخطورة على حياتي الشّخصيّة الّتي بدأت استشعرها ويمكن أن تصيبني بأي لحظة، نتيجة الفوضى الّتي تعيشها السّاحة اللّبنانيّة”. وأكّد أنّ “كلّ ما يتمّ تداوله هو غير صحيح إطلاقًا، ولا يمتّ للحقيقة بأي صلة، وأنا أمارس عملي بشكل طبيعي كالمعتاد”.
حملة التضليل والشائعات انسحبت على النواب السنّة حيث نشرت بعض وسائل الإعلام خبرا مفاده عن تحركات يقوم بها عدد من نواب السنّة باتجاه دمشق الذين يخططون لإعادة الترشح في انتخابات 2026 إذا حصلت في موعدها أو تأخرت شهرين أو سنتين، بهدف التواصل مع الرئيس السوري أحمد الشرع عبر حلقة مستشاريه لإعادة ترشيح أنفسهم في الإنتخابات النيابية المقبلة.
“كلام لا يمت إلى الحقيقة بصلة” تقول مصادر معنية لـ “المركزية”، وتنفي بشكل قاطع فتح خطوط مباشرة أو غير مباشرة بين مرشحين سنّة وأوساط الرئيس الشرع وتؤكد أن دمشق ترفض استقبال أي شخص والعلاقات بين لبنان وسوريا تتم وفق القنوات الديبلوماسية وليس على غرار الطريقة التي كان يتعامل بها نظام الأسد المخلوع”. وتكشف المصادر أن هوية حملات التضليل معروفة و تشنّها بقايا فلول النظام السوري السابق وجماعة حزب الله بهدف تشويه صورة النظام السوري الجديد واللعب على وتر الحساسيات الطائفية، لكن أياً من هذا الكلام وهذه الشائعات لم ولن يحصل إطلاقا ولا عودة إلى الوراء إطلاقاً في مسألة العلاقات مع سوريا”.
ولا تخفي المصادر أن ما يشاع عن خطوط ومعابر مفتوحة على خط المرشحين السُنّة ودمشق، تندرج في إطار الحملة التي تُشن على القاضي الشيخ خلدون عريمط كونه يتمتع بخطاب ديني– وطني مؤثّر رافض للهيمنة الخارجية، ومتمسك باتفاق الطائف وهوية لبنان العربية. وهذا الخطاب يضعه تلقائياً في موقع تصادمي مع مشروع “الممانعة” وحلفائها، ومع القوى المرتبطة سياسياً أو أيديولوجياً بالنظام السوري السابق.
ما يحصل يندرج في سياق السيناريو الذي تحيكه قوى الممانعة وفلول النظام السوري وفق المصادر بهدف دفع الشارع السنّي إلى العزوف أو التشتت وصولا إلى الغاية المنشودة وهي تأمين فوز شخصيات سنّية مشتتة أو “محايدة” . لكن غاب عن هؤلاء أن مرجعية المرشحين السنة في انتخابات 2026 هو الشعب وحده ولا مكان إلا لصوت الناخب الحرّ.
هذا في الشكل أما في الجوهر، فتعتبر المصادر أن توقيت هذه الحملات ينطلق من أهمية الموقع السنّي الذي شكّل تاريخياً ركيزة أساسية في مواجهة الوصاية السورية سابقاً. لذلك، تنظر بعض الجهات المرتبطة بالنظام السوري السابق، أو المتحالفة معه، بعين الريبة إلى أي محاولة لإحياء دور سنّي سياسي مستقلّ قد يعيد التوازن إلى المعادلة الوطنية. وتعتمد هذه الحملات، وفق مراقبين، على مجموعة من الأساليب المتكررة، أبرزها، التشويه الإعلامي عبر وسائل تقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي، وربط المواقف السيادية باتهامات جاهزة، وبالتالي خلق انقسامات داخل البيئة السنّية نفسها وهي أدوات سبق استخدامها في مراحل سابقة ضد شخصيات عارضت مشروع الهيمنة أو رفعت لواء السيادة.
في المحصلة، لا يمكن فصل التصعيد السياسي والإعلامي الذي يستهدف الشيخ خلدون عريمط وعدد من الشخصيات والنواب السنّة المحتمل ترشحهم لانتخابات 2026 عن الحسابات الانتخابية الباردة والتحالفات التي يجري إعدادها منذ الآن. فالمعركة الدائرة اليوم ليست معركة مواقف، بل معركة أرقام ومقاعد نيابية، تُخاض استباقياً قبل أكثر من عام على موعد الاستحقاق. أما المعركة الحقيقية، وفق هذا المنظور، فهي ليست انتخابية وحسب، بل تتعلق بإعادة تثبيت معادلة الدولة مقابل الدويلة، والاستقلال مقابل التبعية.
من هنا تبدو حملة الاستهداف جزءاً من معركة استباقية تهدف إلى ضبط نتائج المستقبل السياسي، ومنع تشكّل حالة سنّية سيادية فاعلة قبل انتخابات 2026. غير أن التجارب السابقة أثبتت أن الضغوط والحملات غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية، عبر تعزيز حضور الشخصيات المستهدفة وتوسيع دائرة التعاطف معها.
ويبقى السؤال المفتوح: هل تنجح هذه الحملات في كبح أي نهوض سياسي سنّي مستقل، أم أنها ستكون حافزاً لإعادة بلورة دور وطني جامع يعيد التوازن إلى الحياة السياسية اللبنانية؟




