
كتب ربيع ياسين:
في لبنان، لا تمرّ الفضيحة بوصفها حادثةً عابرة، بل تتحوّل سريعًا إلى دليلٍ إضافي على انهيار المعايير السياسية وعمق الأزمة الأخلاقية التي تسبق الأزمة الدستورية. ومن هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع قضية “أبو عمر” — الشخصية التي ادّعت زورًا قربها من صنّاع القرار في المملكة العربية السعودية — كواقعة احتيال فردية، بل كفضيحة سياسية مكتملة الأركان، كشفت كيف استطاعت شخصية غامضة أن تُسقط سياسيين من الصفّ الأوّل، ورجال أعمال، وشخصيات نافذة، عبر بيعهم وهم النفوذ والقدرة على التأثير في المسارات السياسية اللبنانية مقابل مبالغ مالية، في مشهدٍ يعكس هشاشة القرار السياسي واستعداد بعض المسؤولين للارتهان مقابل الوعد بالسلطة.
لستُ هنا في وارد إعادة سرد الروايات المتداولة في الإعلام، ولا الخوض في شماتة بعض السياسيين الذين يتسابقون اليوم إلى التبرؤ أو الإدانة، على الرَّغمِ مِن أنّ كثيرين منهم، ولو سنحت لهم الفرصة، لكانوا وقعوا في الفخ نفسه. فالقضية، في بعدها القانوني، باتت بعهدة القضاء والأجهزة الأمنية، وهي الجهة الوحيدة المخوّلة كشف الوقائع وتحديد المسؤوليات، لا سيّما وأنّ الحديث يدور عن أسماء وازنة ومواقع حسّاسة.
لكن ما يتجاوز الملف القضائي، وما هو أخطر بكثير، يتمثّل في الدلالة السياسية والأخلاقية لما جرى.
ما كشفته قضية “أبو عمر” ليس فقط سهولة الاحتيال، بل هشاشةً مقلقةً في بنية التفكير السياسي لدى شريحة واسعة من المسؤولين؛ هشاشة نابعة من عقلية الارتهان، ومن إيمانٍ عميقٍ لدى كثيرين بأن الطريق إلى السلطة لا يمرّ عبر الناس، ولا عبر مشروعٍ وطني، بل عبر “الخارج”، أيًّا يكن هذا الخارج.
الأبشع في القصة أنّ بعض المتورّطين – بحسب ما يُتداوَل – تلقّوا وعودًا بمناصب عليا ورئاسات على مختلف المستويات، وكأنّ الدولة اللبنانية باتت شركة أسهم، تُوزَّع إدارتها على من يملك “مفتاح الاتصال” بالعواصم المؤثّرة. والأسوأ أنّ عددًا غير قليل من هؤلاء هم مرشّحون محتملون للانتخابات النيابية المقبلة، ما يعني أنّ ثقافة الوهم والارتهان لا تزال تتحكّم بخيارات من يسعون إلى تمثيل الناس.
ما حصل يؤكّد أنّ همّ شريحةٍ كبيرة من السياسيين اليوم هو الوصول إلى الكرسي والتمسّك به، لا خدمة الوطن، لا حماية السيادة ولا صون كرامة الدولة. فالتبعية للخارج وانتظار “كلمة السر” تحوّلتا من استثناء إلى قاعدة ومن خطيئة سياسية إلى سلوكٍ اعتيادي.
وهنا تكمن المفارقة القاتلة: هذا السلوك لم يؤدِّ إلى تعزيز مكانة لبنان في الخارج، بل إلى العكس تمامًا. فالمسؤول الذي يُظهر استعداده لأن يُباع ويُشترى، يفقد تلقائيًا احترام الخارج قبل الداخل. الدول لا تحترم من لا يحترم نفسه ولا تراهن على من يلهث خلف رضاها بلا شروط أو كرامة.
ما آلت إليه السياسة اليوم وحال سياسيينا الذين أصبح معظمهم مرتهنين للخارج يعيدنا إلى محطّاتٍ في التاريخ شهدت رجال دولة احترموا أنفسهم وبلدهم، فاحترمتهم دول العالم. ففي مرحلةٍ من مراحل بناء الدولة، كان هناك رجال دولة لا سماسرة نفوذ.
من هؤلاء الرئيس فؤاد شهاب، الذي روى فؤاد بطرس في مذكّراته واحدةً من أكثر اللحظات دلالةً في تاريخ العلاقة اللبنانية – العربية. ففي اجتماع “الخيمة” الشهير في العام 1959 على الحدود اللبنانية – السورية، رفض شهاب أن يتقدّم لاستقبال الرئيس جمال عبد الناصر داخل الأراضي السورية. يومذاك، وصل الرئيس شهاب إلى منطقة الحدود قبل نظيره المصري، وكان في استقباله رئيس المخابرات السورية عبد الحميد سرّاج. وبعد نحو عشر دقائق، حطّت الطوافة التي تقلّ الرئيس عبد الناصر على بُعد أربعين أو خمسين مترًا داخل الأراضي السورية، فنظر سرّاج إلى الرئيس شهاب وقال له: “لقد وصل سيادة الرئيس عبد الناصر، ألا تودّ أن تستقبله يا فخامة الرئيس؟” فأجابه: “لقد حطّت طوافة الرئيس عبد الناصر على أرضه، فكيف لي أن أستقبله في بلده؟ ثم لا تنسَ أنّ سيادة الرئيس، قبل وصوله إلى السلطة، كان عقيدًا، أمّا أنا فلواء”.
لم تكن تلك نرجسيةً شخصية، بل رسالة دولة: لبنان يتفاهم ولا يتبع، ينسّق ولا يخضع.
المثال الثاني هو الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي فُتحت له أبواب العالم لا لأنه ادّعى القرب من العواصم، بل لأن حضوره السياسي والاقتصادي جعل لبنان حاضرًا فيها. فمنذ اتفاق الطائف، الذي كان أحد عرّابيه، وحتى استشهاده في 14 شباط 2005، استطاع الحريري أن يُسخّر علاقاته العربية والدولية لحماية لبنان، لا لاستخدام لبنان كورقة.
زيارة جاك شيراك إلى بيروت، ومشيه إلى جانب الحريري في أسواق وسط العاصمة، لم تكن مشهدًا بروتوكوليًا عابرًا، بل تعبيرًا صريحًا عن الاحترام الذي حظي به لبنان، وعن الثقل الذي استعادته الدولة بفضل رجلٍ عرف كيف يكون رجل دولة، لا وسيطًا ولا سمسارًا.
الفضيحة الحقيقية ليست في شخص “أبو عمر”، بل في البيئة السياسية التي سمحت له بالتمدّد؛ في مسؤولين صدّقوا الوهم لأنهم أرادوا تصديقه، وفي طبقةٍ سياسيةٍ تخلّت عن فكرة الدولة واستبدلتها بثقافة الصفقات والولاءات.
ما حصل يجب أن يكون جرس إنذار لا مادة للتشفّي. لأنّ دولةً تُدار بهذه العقلية لا تُخترق فقط بالمحتالين، بل تسقط من داخلها. وإذا لم يُحاسَب المتورّطون ولم تُستعاد فكرة السياسة بوصفها خدمةً عامة لا مشروعًا شخصيًا، فإنّ “أبو عمر” لن يكون الأخير… بل مجرّد اسمٍ في سلسلةٍ طويلة من الأوهام التي دفع لبنان ثمنها، ولا يزال.




