سلايدات

لبنان: معركة الوعي المؤجلة

كتب محمد برجي:

لسنا ضحايا قدر أعمى، ولا أسرى مؤامرة مكتملة الأركان كما نحب أن نقنع أنفسنا. نحن، في لبنان، شركاء في المأساة بقدر ما نحن ضحاياها. فما لم يهزم في عقولنا، لن يهزم في شوارعنا، وما لم يفكك في الوعي، سيعود دائما متسلحا بأسماء جديدة ورايات مختلفة.

نبدل الوجوه ولا نغير المنطق، نلعن الفوضى بألسنتنا ونرعاها بأفعالنا، نرفع راية الوطن عاليا ثم نمزقها عند أول اختلاف. هكذا تدار المأساة اللبنانية: خطاب وطني في العلن، وممارسة فئوية في الخفاء. لقد استهلك الدم حتى كاد يفقد معناه، لكن السؤال المؤجل ما يزال قائما: هل نملك شجاعة التنازل من أجل لبنان؟

أمنيتي القديمة المتجددة أن تكون الساحة الفكرية والمعرفية هي الجبهة الأوحد والألزم والأخطر، في وطن أنهكته الحروب واستنزفته الانقسامات، وتنازعته الأوهام أكثر مما تنازعته الوقائع. ففي لبنان، لم تكن المعركة يوما عسكرية خالصة، ولا سياسية محضة، بل كانت، وما تزال، معركة وعي قبل كل شيء. السلاح سبق الفكرة، والغنيمة سبقت الدولة، والهتاف غلب السؤال، حتى صار الرصاص أسرع من العقل، وصار الانتماء أسبق من الوطن.

نحن اليوم عند مفترق حاد لا يحتمل التذاكي ولا التأجيل. إما نهضة مدنية حقيقية، وانتصار لفكر ديمقراطي حداثي وطني واع ومقتدر، يشيع التسامح لا كشعار بل كأسلوب حياة، ويرسخ التعددية السياسية بوصفها ثراء لا تهديدا، ويجعل القانون سيدا لا انتقائيا، ويزرع في عقول الناشئة العلم بدل الخرافة، والمواطنة بدل العصبية، والسؤال بدل الطاعة العمياء. نهضة تعيد تعريف السياسة باعتبارها خدمة عامة لا غنيمة، وتعيد للدين مكانته الأخلاقية لا الوظيفية، وتقدم الدولة على الطائفة ، والوطن على الجهة، والمستقبل على ثأر مؤجل.

وإما استعار متكرر لنيران الكراهية، وانتشار مضطرد لفكر سياسي مؤدلج، يتخفى خلف شعارات الدين حيناً، وخلف العصبية الطائفية والجهوية حيناً آخر.

نحن أمام فكر سلطوي يقدم على القانون، ومدن تدار بمنطق الغلبة لا بمنطق المواطنة، ومافيات تحكم وتتفاوض باسم الوطن، وتتعامل مع المال العام كغنيمة حرب، فيما دواعش المال العام ينهشون الخزينة بلا رقيب ولا حساب. فكر يبدأ بخطاب شعبوي أجوف، وينتهي بقهر منظم، لا يعرف من أدوات الحكم إلا الخوف، ولا من وسائل البقاء إلا الفوضى، ولا من معنى الدولة إلا تقاسم النفوذ.

وفي هذا المشهد، تدار المؤسسات بعقل الغلبة لا بعقل القانون، وينخر الفساد في مفاصل الدولة حتى بات هو القاعدة، وأصبحت النزاهة هي الاستثناء. والأخطر في واقعنا اللبناني أننا نعيد إنتاج الخراب بوعي مزيف، نسميه واقعية، ونبرر الفوضى باسم المرحلة، ونؤجل الدولة باسم التوازنات. لكن التاريخ لا يعترف بتوازنات هشة، ولا يرحم أوطانا تؤجل معركتها مع الجهل.

لهذا، لم يعد المطلوب انتصارات جديدة ولا أبطالا جددا، بل شجاعة التنازل لصالح الوطن. التنازل لا بوصفه هزيمة، بل بوصفه إنقاذا لما تبقى. أن نلم شتاتنا قبل أن نلعن تفتتنا، وأن نخفض أصواتنا لنسمع صوت لبنان الخافت تحت الركام، وأن نعترف، بلا مواربة، أن أحدا لا يستطيع إقصاء الآخر، وأن لبنان أوسع من الجميع وأبقى من الجميع.

إن لم نتنازل اليوم عن جزء من غرورنا السياسي، ، وعن منطق التخوين السهل، فسنتنازل غدا عن مدن كاملة، وأجيال كاملة، وذاكرة وطن كاملة. هذا نداء لا إلى النسيان، بل إلى الحكمة، ولا إلى الاستسلام، بل إلى لملمة الفرقة، وتقديم لبنان على أنفسنا.

دمتم بخير….نكتبها كل عام، ونعرف أن الخير لا يأتي وحده، ولا يزور وطنا لم يحسم بعد معركته مع الوهم.

2011 – 2026 ليست سنوات عد زمني، بل اختبار وعي مؤجل.

2026: عام لبنان الجديد.

(مع وقف التنفيذ… إلى أن نقرر نحن).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى