
لم يفهم اللبنانيّون وجاهة ما أراده وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي والوفد الاقتصاديّ الذي رافقه من القيام بزيارة للبنان. لم تفصح واجهات الزيارة عن أعراض تبرّر الحدث وتفسّر أسبابه. يكشف ما قيل علناً، وما سُرّب قصداً، عن خواء بات يشبه ذلك الإرباك الذي تُظهره طهران جرّاء تراكم الخسائر وتدافع التحوّلات العصيّة على المقاربة والفهم والتأقلم مع وقائعها حتّى على طهران. بدا وكأنّ إيران تبحث عن منبر أبعد من طهران وجدته في بيروت تُشتِّت به صدى الشوارع في البلاد.
تنشغل صحافة العالم بنقل أخبار التظاهرات التي تنتشر وتتوسّع في إيران. خرج الغضب من طهران ليتمدّد باتّجاه المحافظات ويأخذ طابع العنف والمواجهات. راجت الأنباء عن خسائر في الأرواح والممتلكات وإطباقٍ على المعلومات بشأن ذلك. بموازاة وقائع الشوارع تتدافع التقارير التي تستشرف ما يمكن أن يذهب إليه حراك الناس هذه المرّة بعد إجهاضه في مرّات سابقة بقمع واسع تمكنّت سلطات البلد من التعتيم عليه. وفق هذا المشهد الذي تهتمّ له عواصم العالم، امتلك وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي ترف القيام بزيارة أرادها أن تثبت بخفّةٍ هامشيّةَ الحدث الإيرانيّ الراهن.
لا يريد وزير طهران الإذعان لحقيقة أنّه رسميّاً شخص غير مرحَّب به. سبق لوزير الخارجيّة اللبنانيّ يوسف رجّي أن رفض دعوة نظيره الإيرانيّ لزيارة طهران. ذهب إلى حدود متقدّمة في اشتراط أن يكون اللقاء، إذا حصل، في بلد ثالث. اعتبر مراقبون، حتّى في لبنان، أنّ موقف الوزير لا يتواءم مع واقع أنّ إيران ليست مصنّفة عدوّاً للبلد وننسج معها علاقات دبلوماسيّة، ولا يحتاج لقاء الوزيرين إلى بلد ثالث. لكنّ رجّي، الذي يتحدّث رسميّاً باسم السياسة الخارجيّة اللبنانيّة، أطلق موقفاً يُفترض أن يُفهم أنّ بيروت تغيّرت، ولم تعُد تقبل وصاية إيران واستدعاءاتها “الحنونة”.
شرح الوزير اللبنانيّ الشهر الماضي موقف لبنان، رافضاً زيارة طهران، مشيراً إلى أنّ الظروف الحاليّة “لا توفّر بيئة مناسبة للحوار بين بيروت وطهران”، معرباً في الوقت عينه، على سبيل المجاملة الدبلوماسيّة، عن استعداد لبنان لاستقبال الوزير الإيرانيّ.
لا يستقيم تحليل رصين لتفسير السبب الذي يقف وراء قيام عراقجي واقتصاديّيه بزيارة لبنان في هذا التوقيت وفي ظروف إيران نفسها
لم يعترف بمزاج لبنان
كان من شأن عراقجي وحكومته، ومن ورائهما نظام إيران، استهجان موقف لبنان ورفض مجاملات وزير خارجيّته. لكنّ الوزير الإيرانيّ وعد حينها مع ذلك بزيارة بيروت حتّى زارها. لم يُظهر أيّ اعتراف بمزاج لبنانيّ تبدّل وتغيّر وانقلب عمّا كان عليه قبل عام فقط حين كان الزوّار من طهران يمارسون أعلى درجات الوقاحة في تأكيد أنّ الأمر لإيران وحلّ أزمات لبنان عنوانها في طهران. فيما يتفاقم غضب الإيرانيّين في بلادهم، اختار عراقجي القدوم إلى بلادنا على عجل لـ”مناقشة التحدّيات التي تواجه المنطقة”، حسب تصريحاته.
كان رئيسا الجمهوريّة والحكومة قد أبلغا عراقجي في زيارات سابقة أنّ لبنان لا يقبل تدخّلاً في شؤونه، ويريد أن تكون العلاقة مع إيران ندّيّة من دولة إلى دولة. جاء الوزير هذه المرّة ممثّلاً دولته بمواكبة وفد اقتصاديّ ليلاقي قادة الدولة في لبنان ومسؤوليها. طاب للوزير أن يكون محاطاً “محصّناً” بنوّاب “الحزب” ومسؤوليه الذين يتفاخرون بأنّهم امتداد للجمهوريّة الإسلاميّة في لبنان.

فيما كان الجيش اللبنانيّ يعلن انتهاء المرحلة الأولى لحصر السلاح بيد الدولة في جنوب نهر الليطاني والوعد بتقديم خطّة جديدة لشماله، وفيما كان الرئيس جوزف عون يصدر بياناً داعماً للجيش وجهوده مكرّراً الوعد بحصريّة السلاح بيد الدولة وحدها، كان الوزير الإيرانيّ يبشّر لبنان بأنّ إيران مستمرّة في دعم “المقاومة”، وهي الاسم الحركيّ لتسليح الميليشيا ودويلتها على حساب الدولة.
لا رسائل ذات دلالات
لا يستقيم تحليل رصين لتفسير السبب الذي يقف وراء قيام عراقجي واقتصاديّيه بزيارة لبنان في هذا التوقيت وفي ظروف إيران نفسها. لا أعراض صادرة من بيروت توحي بحاجة لبنان إلى اتّفاقات اقتصاديّة مع إيران، لا سيما أنّه لم يُعرف أنّ بيروت فتحت أسواقها للاقتصاد الإيرانيّ في عزّ وصايتها وهيمنة حزبها على مقاليد البلد وقراره.
كان من شأن عراقجي وحكومته، ومن ورائهما نظام إيران، استهجان موقف لبنان ورفض مجاملات وزير خارجيّته
لا رسائل ذات دلالات مهمّة يمكن أن تبعثها طهران عبر زيارة لبنان إلى إسرائيل والولايات المتّحدة اللتين، منذ لقاء بنيامين نتنياهو – دونالد ترامب، تتوعّدان إيران بالحرب الشاملة. ثمّ إنّ ما قاله عراقجي في بيروت لا يغيّر من حقيقة أنّ هناك رئيساً في الولايات المتّحدة وعد بالتدخّل العسكريّ إذا ما قتلت سلطات إيران متظاهريها.
تصدّع نفوذ إيران في لبنان بعدما فقدته نهائيّاً في سوريا. لم تعد بيروت صندوق بريد مقلقاً تبعث إيران من خلاله رسائلها إلى من يهمّه الأمر. لم يعد البلد بيئة حاضنة ترفع لافتات “خوش آمديد” ترحيباً بالزيارات الإيرانيّة. لم تعد “البيئة” نفسها تتكدّس على طريق المطار فاتحة ذراعها لعبق الثورة التي ينفخ بها المرشد في طهران.
بدا أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة تسعى إلى تفقّد رعيّتها، ورفع معنويّات من فقدوا السلاح جنوباً ويتطيّرون ممّا تظهره مشاهد “الاهتراء” في إيران من مآلات غير حميدة تطال مستقبل “الحزب” شمالاً. يتدحرج العالم منذ “طوفان الأقصى” مطيحاً بمكوّنات ورؤوس وخرائط من غزّة إلى كراكاس، مروراً باليمن والعراق وسوريا، وتبدو زيارة مسؤول إيرانيّ لبيروت ضجيجاً من دون حجيج




