
كتب منير الربيع في المدن:
نتنياهو والهيمنة
كرّس الرئيس الأميركي دونالد ترامب منطق “الحكم للقوة وبالقوة”، وهذا ربما أصبح مصدر إلهام للجميع. فالقاعدة التي يتم تطبيقها هو سعي كل طرف لفرض قوته وإبرازها وإثباتها على اعتبار أن الأميركيين سيعترفون به وبقوته وبما يستطيع تحقيقه. ذلك يفتح الأبواب أمام المزيد من الصراعات، وهو أبرز ما يقوم به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يواصل ممارسة القوة والعنف لتثبيت وضعيته على مستوى المنطقة، وهو في الأساس خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية ولقائه ترامب حصل على الدعم الأميركي اللازم لاستكمال مشروعه خصوصاً في لبنان وإيران، بينما تبدو واشنطن مهتمة بعدم عودة الحرب في غزة، وعدم حصول صراع إسرائيلي سوري.
عراقجي في بيروت
على المستوى الإيراني، مؤشرات دولية كثيرة تفيد بأن تل أبيب تتجهز لتوجيه ضربة قوية لإيران. وذلك في ظل استمرار التحركات الاحتجاجية التي تقول التسريبات الإسرائيلية إنها لن تتمكن من إسقاط النظام. ولذا فإن نتنياهو يفكر جدياً بتوجيه ضربة ضد إيران وسط مساع لإسقاط النظام أو تغيير وجهته ككل. في المقابل، تبدو إيران وكأنها بحاجة إلى تحرك سياسي داخلي فعلي وجاد هدفه احتواء ما يجري لمنع تفاقم الانفجار، وذلك يمكن أن يترافق مع تحركات ديبلوماسية إيرانية باتجاه قوى إقليمية ودولية بهدف احتواء التصعيد الإسرائيلي ومنعه. لا سيما أن الدول المختلفة أصبحت على قناعة بأن المشروع الإسرائيلي يشكل خطراً على كل المنطقة. في السياق تبرز زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت واللقاءات التي سيعقدها، من دون اغفال وجود قنوات تواصل مفتوحة بين طهران من جهة وعواصم عربية عديدة هدفها البحث عن صيغة تسوية سياسية شاملة حول لبنان.
سوريا والخطر
في سوريا، غداة جولتي التفاوض بين دمشق وتل أبيب برعاية أميركية، اتجهت الأنظار نحو مدينة حلب وتحديداً حيي الشيخ مقصود والأشرفية والمواجهة التي اندلعت فيهما بين الجيش السوري من جهة وقوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى. معلوم أن إسرائيل حاولت استغلال كل المشاكل السياسية الداخلية في سوريا، وانعدام الثقة بين الدولة ومختلف المكونات في سبيل إضعاف الدولة، لا سيما أن المشروع الإسرائيلي الفعلي يرتكز على تقسيم سوريا. اللافت أن المواجهات تأتي بعد الاجتماع السوري الإسرائيلي في باريس. وسط فشل كل محاولات التفاهم بين المكونات السورية، وهو ما يبقي خطر الانفجار الاجتماعي السوري قائماً واحتمالاته كبيرة سواء مع قوات سوريا الديمقراطية، أو في الساحل السوري أو في السويداء.
الشرع والعملية العسكرية
منذ ما قبل اجتماعات باريس، كل المعطيات في سوريا كانت تتحدث عن استعداد لشن عملية عسكرية، حتى أن بعض المعلومات تفيد بأن غياب الشرع لمدة 6 أيام، كان يتعلق بزيارة أجراها إلى محافظة إدلب في إطار التحضير لخوض هذه العملية العسكرية والتي بدأت في حلب، ويمكنها لاحقاً أن تتوسع باتجاه شمال شرق سوريا ولا سيما محافظات الرقة ودير الزور، مع محاولات من قبل دمشق لتوفير ظروف انقلاب تنفذه العشائر على قوات سوريا الديمقراطية. لكن اشتداد هذه المعركة قد يدفع مناطق أخرى للتحرك ضد تصرفات الحكومة السورية ما ينذر بتهديد الواقع السوري ككل.
تركيا وإسرائيل
لا يمكن خوض أي معركة ضد قوات سوريا الديمقراطية ولا سيما في شمال شرق سوريا، من دون توفر ظروف إقليمية ودولية، فذلك يحتاج إلى غطاء أميركي ربما سعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتأمينه خلال اتصاله بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. ولكن أي دخول تركي إلى الميدان، سيستنفر إسرائيل التي تعتبر نفسها في مواجهة مع تركيا وتريد منعها من توسيع نفوذها وسيطرتها في سوريا، وهذا قابل لتحويل سوريا مجدداً إلى ساحة تجاذب إقليمي. مواجهة كل هذه السيناريوهات القاتمة تفترض بسوريا الدخول إلى مسار سياسي جديد قائم على الحوار الداخلي الجدي بين مختلف المكونات والاتفاق على آلية لإعادة تشكيل السلطة وانضواء الجميع تحتها بدلاً من ترك إسرائيل تسعى إلى التسلل من الخلافات الداخلية لتشظية المجتمع السوري.
لبنان على الحافة
أما لبنان، فهو أيضاً على حافة انفجار. إسرائيل انتقلت إلى مسار جديد وهو استهداف مناطق مختلفة ومتنوعة طائفياً ومذهبياً، هدفها زيادة الضغط على المجتمع اللبناني لتأليبه على حزب الله، ولخلق مشكلة داخلية. بالإضافة إلى مواصلة الضغوط على الدولة اللبنانية للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة سحب السلاح أي في شمال الليطاني. وسط تضارب المعلومات عن كيفية تعامل حزب الله مع ذلك. الحكومة تصر على الانتقال للمرحلة الثانية، والجيش سيكون ملزماً بتطبيق قرار الحكومة، بينما حزب الله فيدرس كيفية التعامل وسط مباحثات عن صيغة تكون ملائمة، كمثل دخول الجيش إلى مواقع معروفة في شمال الليطاني والسيطرة عليها، وذلك لتجنب حصول أي مواجهة بين الحزب والجيش، أو بين الأهالي والجيش.
تسوية وضمانات
من الواضح أن نتنياهو سيواصل التصعيد وممارسة الضغط، لا سيما في ظل تكثيف التسريبات الإسرائيلية التي تتحدث عن حصوله على ضوء أخضر من ترامب حول تنفيذ العملية العسكرية ولكن من غير المعروف حجمها ولا توقيتها. في المقابل، فإن لبنان لا يمتلك سوى خيار الدخول في حوار جدّي بحثاً عن تسوية مرضية للجميع، تصل إلى حد التوافق حول تسوية سياسية شاملة يكون عنوانها الطائف مع ما يتضمنه من ضمانات للحزب وللبيئة الشيعية خصوصاً تتعلق بإعادة الإعمار، منع التهجير والضمانات بالانسحاب الإسرائيلي ووقف الضربات والاعتداءات. ما دون ذلك فإن الواقع اللبناني قابل للانفجار أيضاً على مستويات عدة، سياسياً بسبب الانقسام العمودي الحاد، اقتصادياً على خلفية الصراع حول قانون الفجوة المالية، والذي يمكنه في أي لحظة أن يتحول إلى تحركات واحتجاجات شعبية. عسكرياً، بفعل الضغط الإسرائيلي واستمراره والذي لا يمكن التنبؤ بنتيجته وبما يمكن أن يؤدي إليه.
“المؤتمر التأسيسي” مجدداً
تبقى الأنظار اللبنانية شاخصة نحو الخارج ومساعيه، في ظل ارتفاع منسوب التواصل الإقليمي ولا سيما بين إيران ودول الخليج للوصول إلى صيغة تسوية شاملة، تتأرجح هذه التسوية بين المطالبة بتطبيق الطائف كاملاً مع الضمانات التي يريدها الثنائي الشيعي ولكن من دون تغيير جوهر الطائف والمس به، وبين طروحات تتعلق بإعادة إحياء مصطلح “المؤتمر التأسيسي”. لكن هذا المؤتمر يعني إعادة إنتاج التركيبة السياسية بشكل جديد، تماماً كما يُطرح في سوريا العودة الى عقد اجتماعي يعيد النظر بتركيبة النظام السياسي الحال، وهو مطروح أيضاً في إيران مثل تغيير وجهة النظام بدلاً من إسقاطه.




