سلايدات

اتفاقية الهدنة لا تسقط بتوقيع في واشنطن.. الطائف الميزان الوحيد

كتبت جوانا فرحات في المركزية:

 في وقت عاد الكلام عن إمكانية عقد تفاهمات أو “اتفاقية” محتملة بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، لوأد الصراع على الحدود الجنوبية مع إسرائيل، يعود السؤال القديم-الجديد إلى الواجهة حول إمكانية أن تُطيح اتفاقية جديدة باتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949 بين لبنان وإسرائيل.

في المسار القانوني والسياسي لا تعتبر اتفاقية الهدنة اللبنانية – الإسرائيلية التي وُقعت برعاية الأمم المتحدة بعد حرب 1948، معاهدة سلام، بل اتفاق تقني-عسكري ينظم وقف الأعمال العدائية، ويحدّد خط الهدنة الذي أصبح لاحقاً مرجعاً لما يُعرف بـ”الخط الأزرق”. ولا تزال هذه الاتفاقية قائمة من الناحية القانونية الدولية على رغم الانتهاكات المتكررة لها، وقيام إسرائيل باجتياحات واحتلالات لاحقة، أبرزها عامي 1978 و1982.

الخبير في شؤون العلاقات الدولية الدكتور جوزف أبي عبدالله يعتبر أن إتفاقية 1949 من أهم الإتفاقيات الدولية التي وقّع عليها لبنان، نظراً لارتباطها الوثيق بالإستقرار الأمني في كل لبنان وتحديدا في الجنوب. وقد ساهمت في تثبيت الإستقرار الذي كان أحد أبرز دعائم النهضة الاقتصادية اللافتة التي شهدها لبنان في خمسينات وستينات القرن العشرين”.

ويضيف “منذ انتهاء حرب 1948، ربط لبنان الاستقرار في جنوبه، وبالتالي السلام في كل لبنان بموقف الدول العربية مجتمعة التي لم تجتمع يوما على موقف موحد من مسألة الصراع مع اسرائيل، بل على العكس فإنها، ومنذ العام 1948، تستغل الصراع مع إسرائيل، بهدف تثبيت زعامتها في الشرق الأوسط. وهكذا، رفض لبنان بعد انتهاء حرب 1948 الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل للتوصل الى اتفاق هدنة، إلا بعد حصوله على موافقة عربية. ومع تبدّل موقف مصر والتي باتت مؤيدة لفكرة التفاوض مع إسرائيل، ونجاح الدبلوماسية اللبنانية في اقناع سوريا بأهمية التفاوض المباشر مع إسرائيل، انتقل لبنان، وعند نهاية شهر كانون الأول 1948، من موقف سلبي ورافض لأية مفاوضات للتوصل الى اتفاق، الى التعبير عن استعداده للدخول في مفاوضات مقابل انسحاب الجيش الإسرائيلي من القرى التي احتلها في الأراضي اللبنانية خلال عملية “حيرام” العسكرية”.

اليوم، تبدلت طريقة تعاطي الطبقة السياسية في لبنان في مسألة الصراع مع إسرائيل، خصوصًا وأن هناك إرادة واضحة بعدم قراءة تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي بطريقة موضوعية ومن عين ناقدة. ولا يكفي أن تقوم الدولة اللبنانية بتجريد “حزب الله” والفصائل الفلسطينية المسلّحة من أسلحتها وفق اتفاق وقف إطلاق النار والقرارات الدولية، بل على الدولة أن تحصر، وعبر مؤسساتها الدستورية، من الحكومة الى المجلس النيابي، مسألة العمل على حلّ الصراع مع إسرائيل. من هنا يبرز السؤال هل يمكن لاتفاق أميركي–إسرائيلي أن يُسقط اتفاقية الهدنة؟
من حيث المبدأ القانوني، لا يمكن إسقاطها. فاتفاقية الهدنة هي اتفاق ثنائي بين لبنان وإسرائيل، أُبرم تحت مظلة الأمم المتحدة ولا يملك أي طرف ثالث مهما بلغت قوته أو نفوذه، صلاحية إلغائها أو استبدالها أو إسقاطها إلا بتوقيع اتفاق جديد ومباشر بين الطرفين، أو بإعلان أحد الطرفين الانسحاب منها بشكل صريح ورسمي، مع ما يترتب على ذلك من تبعات قانونية وسياسية. وحتى الآن، لم يصدر عن لبنان أي موقف مماثل، بل على العكس لا يزال يتمسك باتفاقية الهدنة كمرجعية قانونية دولية، ولو بشكل غير معلن دائما.
ويلفت عبدالله إلى أن الخطورة لا تكمن في الإلغاء القانوني، بل في التفريغ السياسي والعملي. “فأي تفاهم أميركي-إسرائيلي، سواء كان جزءا من مشروع “سلام إقليمي” أو إعادة رسم قواعد الاشتباك على الحدود الشمالية لإسرائيل من شأنه أن يفرض وقائع جديدة أبرزها تحويل النزاع من إطار “عداء بين دولتين” إلى مسألة أمنية مرتبطة بـ”حزب الله” فقط، والدفع نحو ترتيبات أمنية أو حدودية غير مباشرة، كما حصل في اتفاق ترسيم الحدود البحرية عام 2022، من دون المرور باتفاقية الهدنة، ورسم أطر جديدة لدورالأمم المتحدة واليونيفيل بما يخدم رؤية أمنية إسرائيلية أوسع. وفي هذه الحالة، لا يمكن اعتبار اتفاقية 1949 ملغاة لكنها تصبح هامشية أو معطَّلة فعلياً.

بالتوازي، كلما عاد الحديث عن مصير اتفاقية 1949، يُطرح سؤال حول دور ميثاق الطائف تلقائيًا وخصوصًا في ظل سيناريو افتراضي أو سياسي يقوم على إسقاط هذه الاتفاقية أو تفريغها من مضمونها. لكن الربط بين النصّين ليس مباشرا بقدر ما هو بنيوي وعميق، ويتصل بجوهر الكيان اللبناني وطبيعة قراره السيادي.

فميثاق الطائف، الموقّع عام 1989، هو اتفاق لبناني- لبناني أُقرّ لاحقا في الدستور، بخلاف اتفاقية الهدنة، وهو لا ينظّم علاقة لبنان بدولة أخرى، بل يحدّد كيفية إدارة الدولة اللبنانية لقرارها السياسي والأمني والعسكري. من هنا، لا يمكن للطائف أن “يحلّ محل” اتفاقية الهدنة، لكنه يصبح الإطار المرجعي الوحيد في حال اهتزاز أو سقوط هذه الاتفاقية. فإذا انهارت الهدنة، يصبح الطائف الميزان الوحيد الذي يحدد ما إذا كان لبنان سيواجه إسرائيل كدولة موحّدة، أم ككيان مشرذم تتنازع داخله الشرعيات والسلاح والقرار. وفي هذا المعنى، فإن حماية اتفاقية الهدنة ليست فقط شأنًا دبلوماسيًا، بل هي أيضًا دفاع غير مباشر عن ميثاق الطائف نفسه، وعن فكرة الدولة التي ما زالت، حتى الآن، معلّقة بين النص والواقع.

ويختم، أن اتفاقية ترامب-نتنياهو، لا تُسقط تلقائيا اتفاقية هدنة 1949 بين لبنان وإسرائيل. لكنها قد تشكل محاولةً للالتفاف عليها، أو لإعادة صياغة الصراع خارج أطره القانونية التقليدية. فالخطر الحقيقي ليس في النصوص، بل في الوقائع التي تُفرض على الأرض،وفي قدرة لبنان الدفاع عن مرجعياته القانونية في زمن التحولات الإقليمية الكبرى. بعبارة أخرى، اتفاقية الهدنة لا تسقط بتوقيع في واشنطن، لكنها قد تموت بصمت إذا تُركت بلا حماية سياسية ودبلوماسية”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى