سلايداتمقالات

مجلس السلام وجنوب لبنان

كتب الوزير السابق محمد المشنوق في اللواء:
(ترامب، عبر منصته «تروث سوشيال»: «تهانينا للعالم على التصويت الرائع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والذي أقرّ وأيد مجلس السلام، الذي سأرأسه، والذي يضمّ أقوى القادة وأكثرهم احترامًا في جميع أنحاء العالم».)
سأل سفير سابق لدولة أوروبية خدم في دولتين عربيتين: لماذا حصر الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجلس السلام في الشرق الأوسط بقطاع غزة ولم يشمل جنوب لبنان، المعروف اليوم بجنوب الليطاني وشماله؟ تُشير هذه التساؤلات إلى تشابه الانتهاكات الإسرائيلية التي تعرضت لها المنطقتان، وإلى ضرورة معالجة مسألة نزع السلاح في كليهما من قوات مثل حماس وحزب الله. يعكس هذا السؤال قلقًا عميقًا من أن لجنة الميكانزم في لبنان تبدو وكأنها تتراجع بسبب الهيمنة الإسرائيلية على القرار الأميركي، وتردد المجتمع الدولي في اتخاذ خطوات حاسمة لنزع السلاح تحت سيادة الشرعية اللبنانية، مما يُثير مخاوف من تكرار الصراعات العسكرية في المنطقة.

تُعد إدارة ترامب أظهرت تركيزًا كبيرًا على غزة، حيث اعتبرت الولايات المتحدة أن غزة تمثل النقطة الساخنة الرئيسية في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. يُنظر إلى حركة حماس، التي تسيطر على القطاع، كمنظمة إرهابية تهدد الأمن الإسرائيلي، وهذا هو السبب المباشر وراء اهتمام الإدارة الأميركية بالتعاطي مع قضايا القطاع بشكل أكثر انخراطًا. لكن التجاهل الممنهج لموقف جنوب لبنان والتهديد الذي يمثله حزب الله للسلام الإقليمي يتطلب مراجعة شاملة من قبل واشنطن.
يأتي مجلس السلام الذي أُعلن عنه خلال فترة ترامب كجزء من رؤية أشمل لتعزيز الاستقرار في المنطقة، وهو يعكس أيضًا طريقة تفكير الإدارة الأميركية التي اعتادت على ردع المساعي الإيرانية في التمدد داخل العراق وسوريا ولبنان. إن موقف الولايات المتحدة وحلفائها غالبًا ما يكون مدفوعًا بمصالح استراتيجية، وهو ما يؤدي إلى تبني سياسات تركز على استخدام القوة السياسية والعسكرية، بدلاً من الحلول الدبلوماسية الفعّالة.
تكتسب التعقيدات بُعدًا إضافيًا عند النظر في نص التأسيس لمجلس السلام. إذ يوضح الميثاق الكثير عن هيكل السلطة وطريقة اتخاذ القرار داخل المجلس. من الواضح أن المجلس مُصمم ليكون موجهًا بشكل كبير من قِبل الرئيس الأميركي، مما يمنحه سلطات حصرية تقريبًا في إدارة مفاوضات السلام. هذه الهيمنة يطرح تساؤلات حول مدى احترام السيادة الوطنية للدول المعنية، وخاصة لبنان، وكيف يمكن لمجلس السلام أن يُحقق توازنًا بين المصالح المتضاربة في الصراع.
على الرغم من تعقيدات الوضع الإقليمي، لا يمكن تجاهل الدور الهام لحزب الله. يلعب حزب الله دورًا مركزيًا في القضايا الأمنية والسياسية داخل لبنان، حيث يُعتبر فصيلًا سياسيًا وعسكريًا قويًا في المنطقة. تربطه علاقات وثيقة مع إيران، مما يزيد من التعقيد عند محاولة نزع السلاح في لبنان. إذا تمت مناقشة نزع سلاح حزب الله أو حتى فرض قيود على نشاطاته، فإن ذلك قد يؤدي إلى تصعيدات وعدم استقرار متزايد في لبنان، وهذا ما يجب على المجتمع الدولي أخذه بعين الاعتبار.

تظهر المخاطر السياسية بوضوح عند النظر في إمكانية تضمين حزب الله ضمن المفاوضات مع إدارة ترامب. يُعتبر إدراج الحزب في المحادثات تهديدًا لجهود الوساطة الأميركية، حيث يمكن أن يؤدي الحديث عن نزع سلاح الحزب إلى زيادة التوترات الداخلية ولتآكل الثقة بين الأطراف المعنية. تعزز هذه الديناميكيات حالة الانقسام الموجودة في لبنان، وتزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى إيجاد حلول سلمية.
إن تجاهل لبنان كمحور أساسي في مفاوضات السلام يطرح تساؤلات حول المسارات المستقبلية. الخسائر التي تعرض لها لبنان نتيجة النزاعات السابقة تعني أن الشرح عن الاستقرار يحتاج إلى التعامل مع القضايا المتعلقة بنزع السلاح بشكل شمولي، وليس من خلال التعامل الانتقائي مع قضايا محددة. إن الهوة الإنسانية بين غزّة ولبنان تعدّ تحديًا كبيرًا، حيث يتعرض المدنيون في كلا المنطقتين للاستغلال في سياق النزاع، مما يستدعي التركيز على معالجاتهما بشكل متكامل.

إحدى النقاط المثيرة للجدل تتعلق بتوجهات الدول الإقليمية والدولية بشأن مجلس السلام ولجنة الميكانزم في لبنان. تلعب مواقف الدول الكبرى دورًا محوريًا في تحديد مسارات السياسة الإقليمية. فعلى سبيل المثال، تجد الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية نفسها في موقف دعم لاستمرار أمن إسرائيل، وهو ما ينعكس في سياساتها تجاه المفاوضات. في المقابل، يُظهر هذا الموقف معارضة قوية من قبل بعض الدول العربية والإيرانية التي تُعارض الهيمنة الأميركية، وترى في ذلك تدخلاً مباشرًا في الشؤون الداخلية.

تتمتع الدول مثل إيران بدور رئيسي في إدامة دعم حزب الله، وذلك من خلال تقديم المساعدات العسكرية والدعم الاستراتيجي. إن هذا النفوذ الإيراني يُعتبر تهديدًا مباشرًا للجهود الأميركية الرامية إلى تحقيق السلام، حيث تبحث الدول الغربية، في سياق موازٍ، عن طرق لوضع حد لهذا النفوذ. كما يجب ملاحظة كيف أن مواقف الدول العربية التي تؤيد التعاون مع الولايات المتحدة في سياق مواجهة التهديد الإيراني يمكن أن تؤثر على مجريات الأمور في لبنان وفلسطين.
ومع خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، ازدادت حدة التوترات في المنطقة. بات من الواضح أن العلاقة بين واشنطن وطهران هي عنصر رئيسي يؤثر على استقرار الشرق الأوسط، بما في ذلك النزاعات اللبنانية والفلسطينية. هناك مخاوف من أن الحرب بالوكالة بين البلدين قد تُؤدي إلى تفاقم الأوضاع، مما يشكل عبئًا إضافيًا على الأمن الإقليمي.
تتردد بعض الدول، لا سيما في أوروبا، في دعم مقترحات السلام التي تُعدّ منحازة لأحد الجانبين على حساب الآخر، خوفًا من تفاقم النزاعات أو تصعيد الأوضاع في المنطقة. بينما يؤمن بعض المسؤولين الأوروبيين بضرورة معالجة الأبعاد الإنسانية للأزمة وأن المفاوضات يجب أن تُبنى على مبدأ العدالة والشمولية، مما يتطلب إشراك جميع الأطراف، بما في ذلك حزب الله، في أي عملية سلام مستقبلية.
تبقى قضية المجتمع المدني في لبنان وفلسطين نقطة محورية في عملية بناء السلام. يتطلب الأمر الدعوة إلى تمثيل حقيقي لمصالح الشعب، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تحقيق إدماج فعّال للأصوات المحلية. إن النساء والشباب والمجتمعات الهشة يجب أن يكونوا في صميم أي جهود للسلام، إذ أن لديهم تجربة مباشرة حول الأثر القاسي للنزاعات.
إن الاعتراف بالتنوع الثقافي والديني في لبنان يعكس أيضًا التحديات التي يجب معالجتها. فهم الديناميات التي تطبع المجتمع اللبناني وتأثيرها على العملية السياسية يُعدّ أمرًا مهمًا لفهم كيفية حشد القوى المختلفة نحو تحقيق السلام. فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية بحاجة ماسة إلى معالجة وجودية، حيث يُعتبر الانهيار الاقتصادي الحالي فرصة للنظر في خيارات لبناء مستقبل أكثر استدامة.
إن الاستقرار في جنوب لبنان يعتمد إلى حد كبير على كيفية معالجة هذه القضايا، مما يستدعي جهداً دولياً منسقًا لبناء أسس قوية للسلام. من المهم التواصل مع كافة الفصائل السياسية في لبنان والبحث عن سبل للتعاون الإيجابي بدلاً من الانقسام. ولكن سيتطلب ذلك الاعتراف بتعقيدات الصراع وبنية المنطقة، بجانب التزام حقيقي بالمفاوضات الدبلوماسية.
في الختام، فإن سؤال حصر مجلس السلام في غزة دون شمول جنوب لبنان يُظهر العوامل المعقدة التي تشكل السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة، والعديد من العوامل المحلية والدولية التي تؤثر على مآلات النزاع. إن السلام المستدام يتطلب شمولية وتوازناً في اعتبارات القوى المعنية، كما يتطلب من المجتمع الدولي استجابة شاملة تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الإنسانية والسياسية بشكل فعّال. من خلال تعزيز الحوار والتفاهم بين جميع الأطراف، يمكن أن تُسدل الستارة على حقبة جديدة من التعاون والازدهار في شرق المتوسط، حيث يُصبح أُسس السلام غير قابلة للتشققات ولا تحكمها مآرب هيمنة إحدى الجهات على الأخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى