
كتب محمد سلام في “هنا لبنان”:
حدود جديدة تُرسم للمنطقة، ومنها لبنان، في دوائر الأبحاث “الجيو سياسية”، قد لا تغيّر مساحات الكيانات، ولكنها حتمًا ستبدّل أدوار وعلاقات ومهام الدول لتتكامل مع مضمون مُحدّث لمصطلحات (اجتماعية – اقتصادية) “كازدهار واستقرار” بما يتناسب مع أهداف “مهندسي العالم الجديد”.
مع سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1990 تهاوى عنوانان اقتصاديان حكَما العالم لقرن من الزمن: انهيار “الاقتصاد الموجّه” ما حوّل الشعوب إلى “عبيد” يحكمهم استبداد أصحاب الثروات من مافيات شراذم الأنظمة المتهاوية كما بعض دول أوروبا الشرقية السابقة وأميركا اللاتينية (فنزويلا مثالًا لا حصرًا). شعوب “الاقتصاد الحرّ” في آسيا وأفريقيا، ومنهم شرقنا الأوسط وشمال أفريقيا، حكمت غالبيّتهم شراكات فساد وحّدت مصالح “منظومات حاكمة وبلطجية الجريمة المنظمة” تحت عنوان “البراغماتية” الذي طُبّق بمقاربة انتهازية رخيصة وبشعة كما في سوريا الأسدَيْن ومحيطها اللبناني بدلًا من تحقيق هدفه عبر التمسك بـ “النفعية” المتظلّلة بالقانون والأخلاق.
بدأت حملة “استئصال الفساد” عام 2017 مع قائدَيْن تزامن ظهورهما على المسرح العالمي: الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الأولى التي امتدت من 20 كانون الثاني العام 2017 حتى أكمل سنواته الأربع في العام 2021. وولي العهد – رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي ترأس “اللجنة السعودية لمكافحة الفساد” المنشأة بمرسوم ملكي في تشرين الثاني عام 2017.
ذكر المرسوم الذي وقعه الملك سلمان بن عبد العزيز أنّه “استشعارًا منّا لخطورة الفساد وآثاره السيئة على الدولة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، واستمرارًا على نهجنا في حماية النزاهة ومكافحة الفساد والقضاء عليه، وتطبيق الأنظمة بحزم على كل من تطاول على المال العام ولم يحافظ عليه أو اختلسه أو أساء استغلال السلطة والنفوذ في ما أُسند إليه من مهام وأعمال، نُطبّق ذلك على الصغير والكبير لا نخشى في الله لومة لائم، بحزم وعزيمة لا تلين، وبما يبرّئ ذمتنا أمام الله سبحانه ثم أمام مواطنينا”.
وبعد أيام على الإعلان على تأليف اللجنة، أطلق الأمير محمد بن سلمان حملته الشهيرة لتطهير المملكة من الفساد وجرى احتجاز الكثير من الشخصيات الاقتصادية والسياسية البارزة وعدد من الأمراء النافذين في فندق “ريتز كارلتون”، وتحوّل الفندق الفخم في الرياض إلى “سجن ذهبي”.
احتجزت اللجنة 381 شخصًا في سجن الريتز، بينهم أُمراء ورجال أعمال سعوديين وغير سعوديين وأنجزت مهمتها في 30 كانون الثاني العام 2019 مُستعيدةً 100 مليار دولار لخزينة المملكة موزّعة على أصول عقارات وشركات وأوراق مالية ونقد.
أمّا ترامب، الذي تزامن انتخابه لولايته الأولى مع صعود الأمير محمد بن سلمان، فقد خصّص جُهدهُ لمكافحة الجريمة المنظمة، ولا سيما تهريب المخدرات والاتجار بالبشر، في المكسيك وكوبا بالتعاون مع وكالة المخابرات المركزية (C.I.A) التي رفضت التعليق على الأخبار المتعلقة بالعمليات الخارجية وما واكبها داخليًا من مداهمات لمخازن ترويج المخدرات ومواخير الدعارة التي تستخدم مهاجرات غير شرعيات يتم تشغيلهن أيضًا في مراكز تجميل مزعومة من دون حصولهن على تأشيرات دخول وأذونات عمل.
ومع فوزه بولايته الثانية وتولّيه السلطة في 20 كانون الثاني عام 2025، طوّر ترامب ما كان قد بدأه فأرسل طائرات مُسيّرة للتجسّس على تجّار المخدرات في أميركا الجنوبية ثم هاجم فنزويلا وخطف رئيسها مادورو بعد قتل عدد من حرّاسه الكوبيين والتنبوء بأنّ كوبا “ستسقط قريبًا” بعد إخضاع إيران التي تمثّل قاعدة المحور الذي يدمج الإرهاب والجريمة المنظمة ما يعتبر عالميًا “جريمةً أخلاقيةً”.
في هذا الصدد، أعلن ترامب عبر صفحته على منصة “تروث سوشيال” أنّ “أسطولًا ضخمًا يتجه نحو إيران، بكامل الجاهزية لإتمام مهمته بـسرعة وعنف”. وقال ترامب إنّ على إيران قبول “اتفاق حول عدم امتلاك سلاح نووي وإلّا فإنها ستواجه ضربة أكثر سوءًا من تلك التي تلقتها سابقًا”.
وكشف أن الأسطول الضخم الذي يتجه نحو إيران “يتحرّك بسرعة وبقوة هائلة وحماسة كبيرة وهدف واضح. إنّه أسطول بقيادة حاملة الطائرات العظيمة أبراهام لينكولن أكبر من ذلك الذي أُرسل إلى فنزويلا”.
أسطول حاملة الطائرات أبراهام لينكولن يضم، إضافة إلى الحاملة الأم، 9 أسراب من الطائرات الحربية المتعددة الاختصاص، طرّاد صواريخ موجّهة، أربع مدمّرات وغواصتَيْن قادرتَيْن على الإطلاق من تحت سطح الماء.
فما هو السلاح “القادر على توجيه ضربة لإيران أكثر سوءًا من تلك التي تلقتها سابقًا” حسب تعبير ترامب؟
يذكر أن القنبلة الأميركية “GBU-57A/B” المعروفة بـ “محطّم التحصينات” قادرة على اختراق منشأة نووية محصنة في قاع جبل على عمق 60 مترًا ثم تفجيرها.
يبلغ طول القنبلة الأميركية ستة أمتار وتزن حوالي 13.6 طنًّا، وتحتوي على 2.3 طن من المتفجّرات ذات التأثير المُركّز الموجه سفليًّا وأفقيًّا، ما يقلّل من العصف السطحي غير المستفاد منه في تدمير الهدف.
ولا يعرف ما إذا كانت أي دولة أخرى تمتلك قنبلةً مماثلةً أو القاذفة الاستراتيجية “الشبحيّة” القادرة على حملها؟
فهل ستقصف أميركا منشآت نووية إيرانية محصّنة بعمق تحت الجبال، ما يخلّف تأثيرًا بيئيًا خطيرًا، أم أن إيران ستقبل بالشروط الأميركية لتوقيع اتفاقية نووية تحظّر تخصيب المخزون النووي بما يتجاوز السقف المسموح به للاستخدام السلمي، شرط عدم الاحتفاظ بالمخزون المستتنفذ، إضافةً إلى تحديد عدد ومجال رمي الصواريخ الباليستية بحيث لا تصل إلى إسرائيل ولا تهدّد حلفاء أميركا في الشرق؟
يصعب التكهّن بما سيحصل، لكن يبقى السؤال المحوري هو، سواء قبلت إيران بشروط أميركا أم رفضتها، كيف سيتأثر الهلال الأخضر الذي يمتد من لبنان إلى العراق مرورًا بفلسطين؟
لبنانيًّا، ستُكلّف إسرائيل “بضبط” الجنوب اللبناني الممتدّ من الخط الأزرق إلى الضفة الشمالية “لنهر الأوّلي”، بحيث لا يُتاح “لحزب الله” أن يُعيد ترميم منشآته أو توزيع عناصره في المنطقة حيث بدأ سلاح الجو الإسرائيلي اغتيالهم، ولو إفراديًا.
وستتولّى إسرائيل أيضًا ضبط سهل البقاع عبر تدمير منشآت “حزب الله” التي أقيمت فيه بعد الانسحاب من سوريا لدى انهيار نظام الأسدين.
وسيتولى الرئيس السوري أحمد الشرع ضبط الحدود اللبنانية الشرقية والشمالية الشرقية بحيث لا يُتاح لفلول الأسد المحتشدين في لبنان بمساعدة “حزب الله” الاعتداء على سوريا ولا يسمح بتهريب أسلحة من مناطق العلويين في سوريا إلى “حزب الله” وفلول الأسد في لبنان.
ترامب، الذي يرسم مستقبل المنطقة “وسلامها” ترك لبنيامين نتنياهو تولّي مسؤولية ضبط حدود لبنان الجنوبية وحدود سوريا الغربية مقابل ما تعتبره إسرائيل جبهتها الشمالية بحيث تضمن إقامة مناطق ترامب الاقتصادية – السياحية من غزّة إلى جنوب لبنان مع بقاء الاختلاف على القوة التي ستشرف على ضبطها بعد انسحاب اليونيفيل.
الأمم المتحدة تميل إلى تكليف “هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة” (UNTSO) وهي أول بعثة لحفظ السلام أنشأتها الأمم المتحدة في أيار عام 1948 للإشراف على تطبيق “اتفاقية الهدنة” بين لبنان وإسرائيل الموقّعة عام 1949، والتي أعطت لبنان 20 عامًا من السلام حتى خرقها عام 1969 بتوقيع “اتفاق القاهرة” الذي سمح لمنظمة التحرير الفلسطينية بإطلاق عمليات عسكرية من جنوب لبنان إلى الأراضي المحتلة.
فهل سيوافق لبنان على التوجّه الأممي الذي يسعى إلى ما يعرف بسلام بين لبنان وإسرائيل “من دون تطبيع” ما يترك الباب مفتوحًا أمام “مقايضات” تُتيح فتح طرقات برّية من لبنان إلى الأردن مقابل ما تستهلكه إسرائيل من مياه نهر الحاصباني الذي يبلغ طوله حوالي 47 كيلومترًا في لبنان ويتجه جنوبًا نحو بحيرة طبريّا في فلسطين ومنها مع بقية روافده السورية إلى نهر الأردن الذي يصب في البحر الميت بعد مروره بغور الأردن، ما يعطي لبنان حقّ “مقايضة” ما يُستهلك من مياه الحاصباني بعبور برّي إلى الأردن “من دون رسوم ترانزيت”.
المشروع قديم، ويعود إلى حقبة ما بعد حرب العام 1967 ويعرف باسم مشروع آلون (أو خطة آلون) وهو رؤية صاغها وزير العمل الإسرائيلي إيغال آلون تهدف إلى ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية (حظّرها ترامب مؤخرًا) مع إقامة كانتون درزي في الجولان وإعطاء لبنان حقوق مرور “شحن برّي” إلى الأردن ومنه مع إقامة نقاط تفتيش مشتركة وحصول موافقة إسرائيلية مسبقة على أسماء سائقي الشاحنات المعتمدين على هذا الخط.
فهل سيوافق لبنان على هذا التوجّه وهل ستوافق إسرائيل على ضمانة لبنان للتنفيذ أم ستطالب بمشاركة قوى أجنبية في تحديد وضبط ميكانيزم (آلية) التبادل؟
الذي يرسم خرائط للمنطقة كلّف إسرائيل أيضًا “بتنظيف” سهل البقاع من منشآت ومخازن “حزب الله” التي نقلها من سوريا لدى سقوط نظام الأسدين في أوائل كانون الأول من العام 2024 على أن يتولّى الرئيس السوري أحمد الشرع ضمان انضباط الحدود السورية – اللبنانية شرقًا وشمالًا بالاتجاهين على أن يمنع تسرب أسلحة إلى فلول نظام الأسد “وحزب الله” في لبنان وسوريا.
إمساك الشرع بالحدود اللبنانية – السورية من البقاع شرقًا إلى “النهر الكبير” شمالًا يمنح لبنان حق مرور بري يتبع مسار نهر العاصي البالغ طوله 571 كيلومترًا من منبعه في لبنان وصولًا إلى مصبّه في البحر الأبيض المتوسط في مقاطعة حطاي التركية بعد مروره بسوريا.
من المتعارف عليه أن سوريا منذ حقبة حكم الأسدين التي استمرت أكثر من 50 عامًا كانت تأخذ أكثر من حصتها التي تنص عليها الأعراف الدولية من مياه العاصي، ومن المتعارف عليه أيضًا أنه، كما في تجربة نهر الحاصباني، لبنان لا يبيع ثروته الطبيعية بل يُقايض عليها بحقوق مرور بري تفيد شعبه، وهي في حالة العاصي الوصول إلى تركيا من دون رسوم مرور.
فهل ستتغيّر حدود لبنان الجديدة أم سيقتصر التغيير على مهام الحدود لا موقعها؟!


