سلايداتمقالات

هدنة على الورق… حرب في الواقع!

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:

تقول الولايات المتحدة إن وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل سيبقى ساريًا مهما تبدّلت الظروف، حتى في ظل أي تصعيد مع إيران. ويقول لبنان الرسمي: لا مفاوضات قبل وقف إطلاق النار.
لكن الواقع يقول شيئًا آخر تمامًا: لا وقف نار فعلي، بل اشتباك مستمر، مضبوط الإيقاع، محصور جغرافيًا في الجنوب والبقاع، وكأن الحرب قائمة ولكن بسقف منخفض.
هنا يبدأ التناقض.
ما يُسمّى “وقف إطلاق نار” ليس وقفًا للنار، بل منع لانفجارها الكبير. هو إطار سياسي يسمح باحتكاكات ميدانية محسوبة، قصف مبرمج، ورسائل نارية متبادلة، شرط ألّا تتحوّل إلى حرب شاملة.
بمعنى أدق: نحن أمام حرب مُدارة لا حرب مُعلَنة، وهدنة شكلية لا سلام حقيقي.
في المقابل، يرفع لبنان الرسمي سقف موقفه: لا تفاوض تحت النار. هذا الموقف يعكس رغبة في تثبيت دور الدولة ومنع فرض شروط بالقوة. لكنه يصطدم بحقيقة داخلية معقّدة، حيث لا يملك القرار الأمني وحده، في ظل حضور حزب الله كلاعب أساسي في الميدان.
أما على مستوى الأجندات، فالصورة أكثر تعقيدًا:
الولايات المتحدة تريد احتواء التصعيد ومنع حرب إقليمية.
إسرائيل تسعى إلى تغيير قواعد الاشتباك وتعزيز أمنها.
لبنان الرسمي يطالب بوقف النار أولًا.
فيما يتحرّك حزب الله ضمن حسابات ردع مرتبطة بالسياق الإقليمي وبـ إيران.
تقاطع موجود… لكن التطابق غائب.
وما إن يُعلن “الإنجاز”، حتى تدخل المعركة من باب آخر: الإعلام.
إعلام حزب الله سيُسخَّر لتسويق ما جرى على أنه انتصار صافي ينسجم مع أهدافه، يضخّم المكاسب ويعيد تفسير الوقائع بما يخدم سرديته. في المقابل، سيقف إعلام آخر على الضفة النقيضة، يقدّم الرواية نفسها كتنازل مقنّع أو تسوية مفروضة. وهنا، لا نكون فقط أمام اختلاف في الرأي، بل أمام انقسام عامودي إعلامي حاد: روايتان متناقضتان لحدث واحد، وجمهوران يعيشان حقيقتين مختلفتين.
وماذا بعد؟
لنفترض أن وقف إطلاق النار الفعلي حصل، وأن المفاوضات انطلقت.
السؤال الأخطر ليس في بدء التفاوض، بل في نتائجه: ماذا لو لم يقبل حزب الله بما تم التوصل إليه؟
هنا، يدخل لبنان مرحلة أكثر حساسية، بثلاثة احتمالات:
١) ازدواجية القرار
توافق الدولة على اتفاق، مقابل رفض ميداني له.
النتيجة: اتفاق على الورق، وتعطيل في التطبيق، ما يعيد إنتاج الأزمة بشكل أخطر.
٢) انقسام داخلي حاد
فريق يعتبر الاتفاق إنجازًا وضرورة، وفريق يراه تنازلًا يمسّ “معادلة الردع”.
وهنا لا يعود الخلاف سياسيًا فقط، بل يتحوّل إلى انقسام عامودي يطال الشارع والإعلام والوعي الجماعي.
٣) عودة التصعيد… وربما الحرب
إذا فشل فرض الاتفاق على الأرض، أو جرى تجاوزه ميدانيًا، فإن الاشتباكات المحدودة قد تتوسّع، وقواعد الاشتباك قد تنهار، ويصبح الانتقال إلى مواجهة أوسع احتمالًا واقعيًا.
وعندها، لن تكون الحرب نسخة عن سابقاتها، بل قد تأتي أكثر ضراوة، لأن ما سبقها لم يكن حلًا بل تأجيلًا.
الخلاصة:
لبنان اليوم ليس في حالة حرب كاملة، ولا في حالة سلم.
هو في منطقة رمادية، تُدار فيها النار بدل أن تُطفأ، وتُؤجَّل فيها الانفجارات بدل أن تُمنع.
وإذا كان “وقف إطلاق النار” شرطًا للتفاوض، فإن السؤال الأعمق يبقى:
هل يكفي وقف النار لصنع السلام… إذا لم يتّفق الداخل على ما بعده؟
في لبنان، لا تكمن الخطورة في أن تندلع الحرب… بل في أن يُوقَّع السلام فيما الحرب لا تزال قائمة في العقول والقرارات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى