سلايدات

تداعيات قانونية وتوازنات سياسية في ملف تفجير المرفأ… قرار منع المحاكمة عن البيطار جرعة أمل لأهالي الضحايا

كتبت جوانا فرحات في المركزية:

على جرعات متنقلة ومهل زمنية متفاوتة، يتلقى أهالي ضحايا تفجير المرفأ الأخبار عن عودة الحياة إلى ملف جريمة العصر التي وضعتها التدخلات السياسية في دوامة الإنتظار والترقب.

فبعد “قبع” من طالب بـ”قبع” المحقق العدلي في جريمة تفجير المرفأ القاضي طارق البيطار، أصدر القاضي حبيب رزق الله قرارا قضى بمنع المحاكمة عن البيطار بجرم اغتصاب السلطة، وأبلغ قراره الظني إلى النيابة العامة التمييزية، التي اطّلعت عليه وقررت عدم استئنافه. وخلص القرار إلى اعتبار أن مدّعي عام التمييز السابق القاضي غسان عويدات لا يملك صلاحية الادعاء على القاضي البيطار، انطلاقًا من كونه سبق أن تنحّى عن الملف بصفته مدعيًا عامًا عدليًا، بسبب صلة القرابة التي تجمعه بالنائب غازي زعيتر.

إلا أن هذا التطوّر القضائي البارز الذي أعاد خلط الأوراق في واحد من أكثر الملفات القضائية حساسية وتعقيدا في لبنان، اصطدم باستئناف المدعيَين النائب علي حسن خليل والمدير العام السابق للجمارك بدري ضاهر القرار أمام الهيئة الاتهامية المختصة، ضمن المهلة القانونية المحددة ب 24 ساعة من تاريخ التبليغ بواسطة وكيل النائب خليل المحامي سامر الحاج.

وللتذكير فإن الدعوى التي  رفعها القاضي غسان عويدات بحق القاضي طارق البيطار بجرم اغتصاب السلطة ومخالفة القوانين المرعية الإجراء، جاءت على خلفية استئناف الأخير عمله في ملف تفجير مرفأ بيروت وادعائه على عدد من القضاة والمسؤولين، على رغم وجود دعاوى ردّ ومخاصمة عالقة بحقه. واعتبر عويدات في حينه، أن خطوات البيطار تشكّل تجاوزًا للصلاحيات ومخالفة صريحة للأصول القانونية، ما دفعه إلى اتخاذ إجراءات قضائية مضادة أدّت إلى تصعيد غير مسبوق داخل الجسم القضائي، وانقسام حاد حول مشروعية استمرار المحقق العدلي في ممارسة مهامه.

مصادر قضائية توضح لـ”المركزية”  أن القرار الصادر عن القاضي حبيب رزق الله بمنع المحاكمة عن المحقق العدلي طارق البيطار في الدعوى المقامة ضده بجرم “اغتصاب السلطة”، يشكل محطة قضائية لافتة في مسار أحد أكثر الملفات حساسية في لبنان. وتشير الى أن تداعيات القرار تتوزع على مسارين قانوني وسياسي.

فمن الناحية القانونية البحتة ، لا يتناول القرار جوهر التحقيق في تفجير المرفأ ولا يبت بمضمونه، بل يقتصر على مسألة الصفة القانونية للادعاء. بمعنى آخر، اعتبر القرار أن الجهة التي أقامت الدعوى لا تملك الصلاحية القانونية لملاحقة البيطار في هذا الإطار، ما أدى إلى منع المحاكمة شكلًا. وهذا التفصيل الإجرائي على أهميته التقنية، يحمل دلالات أوسع في السياق القضائي اللبناني. فالقرار يُفهم أولاً كإعادة تثبيت لصفة البيطار كمحقق عدلي يمارس صلاحياته ضمن الأطر القانونية في مواجهة محاولات سابقة لتعطيل عمله عبر دعاوى الرد والمخاصمة والادعاءات المتبادلة. وبذلك يزيل عقبة إضافية كانت تُستخدم للطعن بشرعية استمراره في التحقيق.

لكن في المقابل، فإن منع المحاكمة عن البيطار لا يعني إسدال الستارة على التجاذب القضائي والسياسي المحيط بالملف. فقضية تفجيرالمرفأ لم تكن يومًا ملفًا قضائيًا صرفًا، بل تحولت منذ بداياتها إلى ساحة تقاطع بين القضاء والسياسة، وبين مطالب أهالي الضحايا بالعدالة ومخاوف قوى سياسية من تداعيات الاتهام والملاحقة.

في الشق السياسي، تشير المصادر الى أن القرار يأتي في سياق انقسام عميق حول مسار التحقيق. فثمة قوى تعتبر البيطار رمزًا لاستقلالية القضاء وضرورة المحاسبة، فيما ترى قوى أخرى أن أداءه اتسّم بالاستنسابية أو التسييس. من هنا يمكن توقّع قراءات متباينة للقرار على الشكل التالي: فريق يعتبر القرار تثبيتًا لشرعية التحقيق، وآخر قد يراه جزءًا من صراع أوسع داخل الجسم القضائي .

لكن من دون شك تتابع المصادر فإن قرار منع المحاكمة يمنح البيطار جرعة دعم معنوي وقانوني، ويعزّز موقعه في مواجهة خصومه، كما يعكس ارتياحا لدى عائلات الضحايا التي ترى في استمرار التحقيق خطوة ضرورية لكشف الحقيقة. غير أن التحدي الفعلي يبقى في قدرة التحقيق على التقدم نحو إصدار قرار اتهامي واضح، بعيدًا من العرقلة المتكررة.

تبقى مفاعيل القرار المفصلي في ملف تفجير مرفأ بيروت على مسار التحقيق. وفي هذا السياق، توضح المصادر القضائية أنه يفتح الباب أمام تسريع خطوات التحقيق بعد مرحلة طويلة من الجمود وقد نشهد تقدمًا ملموسًا نحو إصدار قرار اتهامي يحدد المسؤوليات ويضع الملف على سكة المحاكمة أمام المجلس العدلي إذا استُثمرت هذه اللحظة قضائياً. إلا أن المسار يبقى رهينة عاملين أساسيين، أولهما قدرة القضاء على تحصين نفسه من الضغوط السياسية والطعون الإجرائية المتكررة، وثانيا توافر الإرادة المؤسساتية لاستكمال التحقيق حتى نهايته، بما في ذلك معالجة مسألة الحصانات و الإذن بالملاحقة عند الاقتضاء.

وتختم المصادر، مما لا شك فيه أن قرار منع المحاكمة  يشكل انتصاراً إجرائياً لمسار التحقيقات التي سيستأنفها البيطار، ويمنحه هامشاً أوسع للتحرك، لكنه ليس نهاية الصراع إنما بداية مرحلة جديدة عنوانها اختبار قدرة القضاء اللبناني على حماية استقلاليته واستكمال التحقيق في واحد من أخطر الملفات في تاريخ البلاد الحديث.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى