سلايداتمقالات

لبنان بين “كفالات” نعيم قاسم ورغبات ترامب!

كتب محمد سلام في “هنا لبنان”:

تلقيت اتصالًا خارجيًّا من صديق دبلوماسي متقاعد كان من ضمن طاقم سفارته المعتمدة بلبنان وصار الآن مديرًا لقسم الشرق الأوسط في مركز دراسات خاصّ بدولته، أوضح لي خلاله أنّ مكتبة المركز تملك نسخًا باللغتين الإنكليزية والمحلّية للدستور اللبناني واتفاق الطائف لكنّه يريد أن يتأكد من وجود مفردة محدّدة (specific word) بالنصَّيْن العربيَيْن. سألته ما هي المفردة التي تُحيّره فقال بالإنكليزية إنّ أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم يُنقل عنه قوله:
“No one can ban the resistance in Lebanon because it is guaranteed by the constitution and the Taef Accord. Can you please check if there is such a word as prevent, prohibit, ban etc in the original Arabic-Language texts؟”

ما حيّر الدبلوماسي الصديق هو مفردة “مكفولة” التي وردت في كلمة للشيخ نعيم قاسم قبل يومَيْن ذكر فيها أنّه “لا يستطيع أحد منع المقاومة في لبنان فهي مكفولة” التزامًا بالفقرة الثالثة من اتفاق الطائف الذي يُعْرَفُ بوثيقة “الوفاق الوطني” التي وقّع عليها النوّاب اللبنانيون بالأحرف الأولى في مدينة الطائف السعودية في 30 أيلول عام 1989 وصادق عليها البرلمان اللبناني في 5 تشرين الثاني من العام نفسه وصارت دستورا.

فعلًا لم يرد في الفقرة الثالثة من اتفاق الطائف، التي استشهد بها الشيخ قاسم أي ذكر لمفردة “مكفولة أو كفالة أو مرادفاتها على مستوى ضمانه أو التزام… إلخ.
وقد ذكرت الفقرة الثالثة تحت عنوان “تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي” أنّ استعادة سلطة الدولة حتّى الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً تتطلب الآتي: “أ ـ العمل على تنفيذ القرار 425 وسائر قرارات مجلس الأمن الدولي القاضية بإزالة الاحتلال الإسرائيلي إزالة شاملة. ب ـ التمسك باتفاقية الهدنة الموقعة في 23 آذار 1949. ج ـ اتخاذ كافّة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دوليًا والعمل على تدعيم وجود قوات الطوارئ الدولية في الجنوب اللبناني لتأمين الانسحاب الإسرائيلي ولإتاحة الفرصة لعودة الأمن والاستقرار إلى منطقة الحدود”.

الواضح أنّ الفقرة الثالثة من اتفاق الطائف لم تتضمّن أي إشارة إلى مجموعة مسلّحة، غير نظامية أكانت مقاومة، أو ميليشيا، كما أنّ النصّ الإنكليزي لم يتضمّن أي إضافات عمّا ورد في النصّ العربي، وهو ما حيّر الدبلوماسي، فمِن أي مصدر أو مرجع استعار الشيخ نعيم “الكفالة الدستورية” لمحور مقاومته التي جلبت مغامرة إسنادها الفاشلة لغزّة الدم والبؤس والدمار لأهل الجنوب وغالبيّة اللبنانيين منذ أطلقها الأمين العام الراحل حسن نصر الله من جنوب لبنان في 8 تشرين الأول عام 2023.

يعتبر علماء الاجتماع أنّ أدبيّات أمين عام حزب الله، كما غالبيّة قادة الفرق الدينية على تعدد أديانها، تتمتّع بمسحة روحانية تعزّز الطاعة الجماعية لدى المؤمنين بالعقيدة، وهو ما نلحظه لدى العديد من الفرق الماورائية كالانتحار الجماعي في الغرب لدى بعض الفرق الدينية المعزولة بناء على تعليمات المرشدين الروحيين، وهو ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بالعبودية الذهنية أو “Mental Bondage”. العبودية الذهنية تتعمّق لدى الجماعات المؤمنة بمصداقيّة رؤية المعلّمين الروحيّين المتعلقة بالماورائيات ما يحوّلها إلى أوامر تُطاع يصعب، بل يستحيل، إقناع تلامذتها بالتخلّي عنها.

السطوة، بأشكالها الاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية والعسكرية التي تميّز بها “حزب الله”، عزّزت تماسك شعبه وطاعته لمرشده وتجاوز بها سطوة الحقبة النّازية التي كانت قد اعتمدت على مظهر القوة والتفوّق العِرقي حصرًا من دون روحانيات. كما أنّ تحكّم الحزب بالسلطة اللبنانية بالتحالف مع الدولة الأسدية في مواجهة صهيونية إسرائيل مكّنته من أن يفرض على المنظومة اللبنانية الحاكمة قبول اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني عام 2024 مع أنّ الدولة اللبنانية لم تكن طرفًا في الحرب الدائرة على أرضها بين إسرائيل وحزب إيران المسلح ولا تستطيع أن تمون على أيٍّ من المتقاتلين ولا تملك القدرة أو القوّة لفرض قراراتها.

خطيئة قبول ذلك الدور والاستمرار به هي وراء النكسات، كي لا نقول الهزائم، التي يواجه لبنان ارتداداتها حاليًّا بدءًا بعراضة صخرة الروشة في 25 أيلول 2025 التي أسقطت هيبة السلطة الفتيّة وصولًا إلى… بلدة القصر في منطقة الهرمل الحدودية التي استُخدم فيها “شعب الحزب” بدلًا من عناصره لعرقلة مهمّة الجيش، ما يطرح سؤالًا جدّيًا، بل خطيرًا: هل ابتكر الحزب صيغةً جديدةً لمواجهة حصر سلاحه محليًّا وتحويل الصراع الأميركي – الإسرائيلي من جبهةٍ ضدّ إيران إلى صراع محلي لبناني يُريح طهران ويحافظ على أذرعها في الهلال الأخضر واليمن، لكنّه يترك الصراع مفتوحًا مع إسرائيل ويقدم لبنان هديةً مجانيةً للمحور الفارسي على مذبح الشعب اللبناني؟

إيران مقتنعة بأن “بعض العرب” لا يريدون من أميركا أن تهزمها وينشرون في أوساطهم أنّ أميركا ستتفرّغ لهم إذا انتهت من إيران، لذلك من مصلحتهم أن تبقى إيران قوية لتُشاغل أميركا وإسرائيل. وتعتبر النظرية “العروبية” أنّ هزيمة أميركا لإيران ستقضي على “حقّ العودة” للفلسطينيين، ما يفرض تجنيسهم في الدول العربية المُضيفة للاجئين وتحديدًا لبنان، سوريا، الأردن ومصر، ما يؤثر في توازن النسيج الاجتماعي في هذه الدول التي تراهن على قرار جامعة الدول العربية الذي يمنع توطين اللاجئين الفلسطينيين حفاظًا على الحقّ في “تحرير” فلسطين.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعي خلفيات النزعات “التحريرية” العربية التي تنطلق من الرغبة بالتخلّص من عبء اللاجئين، لذلك فرض على إسرائيل وقف خطة الاستيطان في الضفّة الغربية لتحقيق سلامه الموعود للشرق الأوسط بإعادة اللاجئين إلى “بعض” الأراضي التي نزحوا منها في حرب الأيام الستة عام 1967 التي هزمت مصر وسوريا والأردن يضاف إليها لبنان الذي خسر جزءًا من أراضيه للدولة العبرية بعد توقيع اتفاق القاهرة في العام 1969 الذي سمح بموجبه لمنظمة التحرير بشنّ عمليات ضد إسرائيل من أراضيه جنوبي نهر الليطاني.

ويشدّد ترامب على ضرورة التزام لبنان بالقرار الأممي الرقم 425 الصادر في 19 آذار عام 1978 عقب الغزو الإسرائيلي الأول لجنوب لبنان الذي أنشأ قوة اليونيفيل لمراقبة الحدود جنوبي نهر الليطاني. وتمّ بموجب قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701 الصادر في 11 آب عام 2006 توسيع مهام اليونيفيل وزيادة عديدها وتكليفها بمهام إضافية أبرزها: “مساعدة القوات المسلحة اللبنانية في اتخاذ خطوات ترمي إلى إنشاء منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خاليةً من أي عناصر مسلّحة، وموجودات وأسلحة غير تلك التابعة لحكومة لبنان وقوة اليونيفيل المنتشرة في هذه المنطقة. مساعدة حكومة لبنان، بناء على طلبها، في تأمين حدودها وغيرها من نقاط الدخول لمنع دخول الأسلحة أو الأعتدة ذات الصلة إلى لبنان من دون موافقته”.
البند الأخير يشمل جميع المرافئ والمطارات والمعابر الحدودية غير الشرعية وهو ما تركّز عليه واشنطن ولم يطلبه لبنان، كي لا يقال إنّ لبنان يرفض تحقيقه، وهو ما يزعج ترامب والعديد من الدول العربية. فهل سينفّذ لبنان ضغوطات ترامب لنشر “قوة سلام” جديدة بدلًا من اليونيفيل لضبط حركة بقايا النظام السوري البائد ومهرّبي وصانعي المخدرات وبارونات الفساد اللبناني أم سيبقى خاضعًا “لكفالات” مُرشد الحزب، أكان الشيخ نعيم أو غيره؟!.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى