
في تصعيدٍ نقابي لافت ينذر بمرحلة مواجهة مفتوحة مع الحكومة، عقد رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان مارون الخولي مؤتمرًا صحافيًا في مقرّ بيت العامل في جل الديب، تحت عنوان: “كرامة اللبنانيين ليست بندًا ضريبيًا”، أعلن خلاله استكمال التحضيرات للإضراب العام وسلسلة تحرّكات سلمية دفاعًا عن الحقوق الاجتماعية، بمشاركة رؤساء اتحادات ونقابات وممثلين عن منظمات مجتمع مدني وحقوقيين وناشطين بيئيين ومكافحي فساد ومخدرات.
ووضع الخولي قرارات الحكومة الضريبية في سياق ما وصفه بـ“استمرار حكم منظومة الفساد”، معتبرًا أنّ اللبنانيين “يدفعون ثمن انهيارٍ لم يصنعوه، فيما تُترك مكامن الهدر الكبرى بلا مساءلة”.
“الضريبة خيار سياسي أصاب صميم معيشة الناس”
ورأى أنّ زيادة الضريبة على البنزين ليست إجراءً ماليًا عابرًا، بل “خيار سياسي – اقتصادي أصاب صميم الدورة المعيشية”، مشددًا على أنّ المحروقات ليست سلعة كمالية، بل عصب النقل والإنتاج والتوزيع، وأي رفع لسعرها ينعكس تلقائيًا موجات غلاء تطال الغذاء والدواء والتعليم والاستشفاء.
وأشار إلى أنّ التحذيرات التي أطلقها الاتحاد سابقًا تحقّقت، إذ تخطّت الانعكاسات الفعلية سقوفها المعلنة نتيجة غياب الرقابة. وأوضح أنّ كلفة النقل وحدها استنزفت ما يفوق 116 دولارًا شهريًا من دخل العامل، من دون احتساب التأثيرات التضخمية المتراكمة التي قد تصل إلى 28% على مختلف السلع والخدمات.
كما لفت إلى الارتفاع الحاد في أسعار المواد الأساسية، مستشهدًا بزيادة تقارب 400 ألف ليرة على كيلوغرام لحم البقر، معتبرًا أنّ “الأزمة ليست أرقامًا في تقارير حكومية، بل لقمة يومية مهدَّدة”.
إلى نواف سلام: “جرّبوا السرفيس”
وتوجّه الخولي مباشرة إلى رئيس الحكومة، معتبرًا أنّ الاتهامات بالشعبوية مردودة، لأن الاتحاد “ينطق بلسان الناس ويتحمّل وجعهم”. وقال إن الإصرار على زيادة الضريبة على البنزين ورفع الضريبة على القيمة المضافة يعكس خفّة في التعاطي مع الواقع المعيشي.
وفي رسالة رمزية، دعا رئيس الحكومة إلى استكمال تواضعه – الذي ظهر في سفره على الدرجة الاقتصادية – بركوب “السرفيس” إلى السراي الحكومي، وسؤال المواطنين عن كلفة تنقّلهم بعد القرار الضريبي، “ليدرك أنّ الزيادة استنزفت دخولهم قبل أن تصل إلى سلعهم”.
واعتبر أنّ الحكومة عجزت عن تنفيذ مذكرة إلقاء قبض صادرة منذ شهرين بحق أحد كبار المتهمين بهدر مئات ملايين الدولارات، كما جمّدت أوامر تحصيل مستحقات الدولة من الكسارات والمقالع التي تتجاوز 2.4 مليار دولار، وغضّت الطرف عن التعديات على الأملاك البحرية والنهرية، ولم تُفعّل قانون الإثراء غير المشروع، “ثم عادت لتفتّش في جيوب المواطنين بدل استرداد المال العام”.
كما انتقد منح إقامات عمل سنوية زهيدة الكلفة للعمال السوريين، معتبرًا أنّ ذلك جاء على حساب العمال اللبنانيين في ظل أزمة بطالة خانقة.
حق التظاهر “خط أحمر”
وشدّد رئيس الاتحاد على أنّ التحرّكات المقبلة ستكون سلمية ومنظّمة، مذكّرًا بأن المادة 13 من الدستور اللبناني تكفل حرية الاجتماع وإبداء الرأي، وأن المادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحمي الحق في التجمّع السلمي. وأكد أنّ أي مساس بحق التظاهر سيُوثَّق ويُواجَه قانونيًا.
كما وجّه رسالة إلى وزيري الداخلية والدفاع بضرورة حماية المتظاهرين وصون الاستقرار عبر احترام الحقوق، لا التضييق عليها، مؤكدًا أنّ القوى الأمنية والعسكرية “أبناء هذا الشعب ويعانون من الانهيار ذاته”.
رسالة إلى الإعلام
وانتقد الخولي بعض المحطات التلفزيونية التي تمنح السلطة مساحات واسعة لتبرير قراراتها، مقابل تهميش صوت الاعتراض، داعيًا الإعلام إلى تحمّل مسؤوليته الوطنية والمهنية عبر نقل وجع الناس وفتح الهواء للرأي الآخر كما يُفتح للقرار الرسمي.
تصعيد مؤجَّل… لا ملغى
وفي ما بدا رسالة مزدوجة، أعلن أنّ الاتحاد ماضٍ في خيار التصعيد الديمقراطي، وصولًا إلى الإضراب العام المفتوح والعصيان المدني، إلا أنّ توقيت الخطوات بات مرتبطًا بعوامل سياسية إقليمية ودولية ضاغطة قد تنفجر أمنيًا في أي لحظة، ما يستدعي التريّث حفاظًا على الاستقرار العام.
وختم بالقول إنّ “زمن الصمت ولّى، وبدأ زمن الحساب”، مؤكدًا أنّ الشارع سيكون مساحة حضارية للتعبير عن الوجع والمطالبة بالكرامة، لا ساحة فوضى.
وبين التصعيد المؤجَّل والقرار الضريبي المثير للجدل، تبدو البلاد أمام اختبار جديد: تراجع في السياسات المالية أم الشارع سيكون الحكم؟




