سلايداتمقالات

ترامب الأميركي و”بوسيدون” الإغريقيّ حروب السيطرة والشهوة القاتلة

كتب الدكتور حسّان فلحه: 

ماذا لو اعتقد  الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أنّه يستكمل دور “أبرام” أو ينتحل شخصّيته على مسرح العالم ؟ والآخر هو الذي منحه الله حسب سِفر التكوين اسماً جديداً هو إبراهيم، “أبو الأمم”، هل كان ليكتفي بجائزة ترضية كجائزة نوبل أم أنّه يستكين بخلع لقب “ماركيز” العالم عليه وحده دون سواه؟ وهي تسمية فرنسيّة حصريّة النسب وتعني “سيّد الحدود “، لم يسبقه إليها، إلاّ حفنة من قلّة من نبلاء السطوة والحكم والسلطة، وأبرزهم بلا منازع، الماركيز الكاتب والمثقّف والمتمرد على الأديان وقيودها والمتفلّت من الضوابط الاجتماعيّة والحضاريّة “دو ساد” دوناتيان  ألفونس فرانسوا Donatien-Alphonse-François, Comte de Sade، الذي اشتقّت من نبل عائلته كلمة “الساديّة” الممهّدة على ما يبدو للحركة “الابستينية” الحديثة، حيث بشر لها جيفري إبستين على منوال ما فعله سلفه الماجن “دو ساد”، في قلعة سان مارتن المنيعة فيدي بلڤيل  Belleville في فرنسا نهاية القرن التاسع عشر قبل ان يستقرّ به الحال في سجن الباستيل عام ١٨٨٤، ويصاب  بنقمة نابليون بونابرت وحمقه على تفلّته المتطيّر من كلّ اعتبار اجتماعيّ أو أخلاقيّ سائد في زمن التصنّع الاجتماعي شديد الإحكام في باريس، والذي أورده في رواية جوستين، أو “مصائب الفضيلة” Justine , ou les  malheurs du Vertu، إذْ صنفته محاكم الإمبراطور الفرنسيّ المشغول عن البلاد وإمرأته بحملاته الخارجية وبنزوات السيطرة على جبهات العالم،   بـ”الكتاب المحرم”، أو أقلّه بكتاب – النص الإشكاليّ الذي ينسج الروابط عند  الإنسان والعقد في العلاقة المرتابة بين الجسد  والألم والسلطة، الذي وصل فيه “دو ساد” إلى أنّ الشر هو مصدر النشاط البشريّ، ولم يتردّد في التمسّك بذلك في روايته  على مسرح الحياة، المفقودة  الأجزاء: مئة وعشرون يوماً في سدوم أو مدرسة الانحلال Les 120 Journées de Sodome ou l’école du libertinage.

في بقايا الرواية دوّن “دو ساد” مآثره الساديّة وأفعاله المشتقّة من أيّام سدوم ي استعادة تطبيقيّة لتداول الطبيعة حوادثها الفارقة الجسام، قد يكون نزقاً كثيراً أو صادقاً غير متزلّف في تجنّب مداراة استيلاب الشخصيّة الإنسانيّة بين الجموح البشريّ نحو الشهوة وبين المبالغة الاجتماعيّة في الضوابط، فجمع مشاهد سدوم وأدوار قلعة سان مارتن، وقد ارتاد في مخيّلته ضجيج المدينة الآثمة وصمتها الأبديّ، مدينة الانغماس في الملذات والشهوات بومبي Pompeii الإيطاليّة التى أعيد اكتشافها، القرن الماضي، واكتشف سكانّها الموتى على الأوضاع التى كانوا بها وبالهيئات ذاتها جثثاً متحجّرة مغطّاة بطبقة كثيفة من الغبار البركانيّ، الذي عصف به بركان جبل فيزوف، تلك المدينة البائسة قبل ١٧٠٠ سنة.
إنّ الحبكة التاريخيّة تجدل على نول الحوادث الاجتماعيّة بالخيوط ذاتها وباختلاف السنوات وتباعدها. “سدوم” وجارتها “عمورة”، هما القريتان البارزتان بين المدائن التى ذكرت في الديانات الإبراهيميّة الثلاث أو هكذا احتسبت، حيث قَالَ مَلِكُ سَدُومَ لأَبْرَامَ: “أَعْطِنِي النُّفُوسَ، وَأَمَّا الأَمْلاَكَ فَخُذْهَا لِنَفْسِكَ”. التاريخ قد يعيد نشأته الأولى مع انقلاب الشهوة عند السيّد ترامب، فيطلب الأملاك له وحده ويعطي النفوس ويفديها على مذبح “أبرام”، وهو قد زار معبد  “بوسيدون” المبنى المميّز  بخطوطه الزرقاء الأفقيّة وقبّته الذهبيّة، على جزيرة إبستين، الذي تعمد طبع خطوط “العلم الأزرق” على جدرانه ، وأعاد تمثيل مشاهد حوادث قلعة سان مارتن وسرديّات سدوم الإباحيّة على جزيرته، جزيرة ليتل سانت جيمس، التي تقع وسط أرخبيل جزر العذراء الأميركيّة في البحر الكاريبي.

إذاً، ما الذي يجمع بين ترامب الأميركيّ و”بوسيدون” الإغريقيّ؟… الأساطير اليونانيّة التقليديّة، اعتبرت بوسيدون إلها خالداً لا يموت، بل يحكم المحيطات والزلازل إلى الأبد، السرديّات الحديثة تتحدّث عن إله يجوب المحيطات والبحار من على حاملات الطائرات والبوارج، يستحضر أسلافه بأسمائهم الراقدة عليها، ظنّاً أنّه يطوّع العالم على سكّة الانفلات الأخلاقي، أو كأنّه يعيد ترتيب كتابة اسمه بين أسماء الملوك الذين ملكوا الأرض، من ذي القرنين وسليمان بن داوود، إلى النمرود بن كنعان ونبوخذنصر، قد يعود إلى اكتشاف أميركا مجدّداً وتدجينها، أو أنّ هذه الدولة ستنبذه قبل أن يترد عليه السكان الأصليون المنسيّون أو المهاجرون اليها الهائمون، إذا فاته مرةً، قول ملك فارس الأعظم قورش الكبير “الرب، اله السماء أعطاني جميع ممالك الارض، وأمرني ان ابني له بيتا في أورشليم”.
لكنه سيبقى النرجسي Narcissus يتأمل نفسه فوق سطح المياه في البحار والمحيطات من على مراجل امبراطورية آثمة تقتل في سبيل اللذة والقهر والسيطرة لا رحماء بينهم او فيها. من الأمور اللافتة أن بومبي وُصِمتْ “بمنبع المتع كلها”، من دون قتل أو غزو أو سبايا، والمفارقة النافرة أنّ القائد العسكريّ الرومانيّ “بليني الأكبر”، الذي قاد أسطولاً من السفن الحربية مات في محاولة لتحدي جبروت بركان فيزوف كي ينقذ بعض الذي يستطيع من الطمر والغمر، قُتل من حمم بركان فيزوف وغباره، كواحد من تلك اللواتي متن وهن في غرف المتعة المسكونة بالموت الأبدي في زحمة الحياة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى