
كتبت كفا عبد الصمد:
هذا هو الحال في لبنان، كلما انهينا احتلال عاد آخر وبصور مختلفة، حالة من اللاتموضع اعتدناها، فانا نحن خدج لا نترك ويجب ان يبقى احدا وصيا علينا يوجهنا وينتخب عنا ويقرر مصيرنا، واما نحن على كنز لا يقدر بثمن وبالتالي الاطماع بنا لا تنتهي، واما نحن جزء من كل، جزء من امة خائنة خائفة تائهة، اعتادت العيش على الامجاد وشراء بطولات وهمية، امة تباع بابخس الاثمان وفي كل الاوقات…
مللنا هذا الوضع، كنا في المرحلة الاولى من تنفس الصعداء والانتهاء من حكم متغطرس للنظام السوري الايراني الذي اطبق على احلامنا لعقود وانهى حياة خيرة من مثقفينا ومبدعينا وكتابنا، حتى بدأنا من جديد لعبة القط والفأر، وجاء آخر، استبدل الاحتلال باحتلال، واستعادت ذاكرتنا العبارات ذاتها والاجواء ذاتها مع فارق بسيط ان موازين اللعبة تبدلت، واليوم ليس كما الامس.
عادت لتنتهك اراضي الجنوب المنهكة اصلا، وعادت لتدفع ثمن باهظ لعبور جديد نحو حرية قد لا تكون في المتناول القريب… جنوب لبنان، كم ستتحمل ارضك بعد من انتهاكات واغتصابات وتفرقة، دمرت بدل المرة مرارا وعدت لتقف على قدميك، لكن هذه المرة الوضع قد يختلف، والشرس الاسرائيلي اذا ما دخل قد لا يخرج بسهولة او لن يخرج ابدا..
بعيدا عن سردية المقاومة، وحلم البطولة الذي يتكشف يوما بعد يوم كم كان كذبة، رومانسية هذا الشعور تبددت حين تحولنا الى مجموعة من الفرق المتتافرة علنا والمتفقة سرا على تقاسم قطعة الجبن فوق احلامنا وآمالنا وحتى جثثنا في احيان كثيرة.. فرق ارتضت ان تتحول الى اداة غريبة تتحكم بمفاصل الامور في الدولة اللبنانية، وتنتهج عقيدة دينية تحت مسمى حزبي وتتحكم بقرارات هذا البلد وتحدياته…
علمتني الحياة ان ممارسة الشعائر الدينية كذبة كبيرة، نقوم بها لنتميز عن بعضنا البعض، فيها شيء من التنمر المبطن، هذا فضلا عن اني اؤمن بالدولة العلمانية، واؤمن بحرية الفرد في اختيار العقيدة التي يريدها وممارسة الشعائر التي تناسبه طالما حريته تقف عند حدود حرية الآخرين… وهذا ما كنا عليه، قبل ان نتحول الى خونة وكفرة ومجموعة مرتدة على الدين والاخلاق وربما الحياة ايضا. الدين علاقة بين الفرد وربه ومن المخجل مناقشتها في عصرنا اليوم فكيف الحال اذا كنا نقاتل تحت هذا المسمى الزائف!…
ما من شيء يبرر ما حدث في لبنان، تصرف انما يدل عن غباء مستشرس او خيانة عظمى، لا توصيف ثالث لهذه الحالة من الانتحار الجنوني الذين ارادوه لنا.. بالنسبة لي لا تكمن المشكلة بالحرب، كنا سنشرب من كأسها بطريقة ما، نحن جزء من هذا الشرق للاسف، لكن ان نتحول بين ليلة وضحاها الى جزء من الحرب بهدف مساندة اي جهة كانت، امر لا يتقبله عقل… نحن جزيء ولسنا حتى بجزء من الشرق الاوسط، لكننا نريد ان نحرر العالم باسره وننشر ثقافتنا حتى لو باع اصحاب القضية قضيتهم، سنبقى رافعين لراية الحرب لانه بيننا تعيش قلة لا تعرف الحياة الا على الجبهات وفوق فوهات المدافع…
جميع دول العالم تستنكر، تشجب، ترفض، الا نحن نحارب، حتى لو كان ما نحارب من اجله سرابا لا قيمة له لانه لا يعنينا مباشرة، لكننا نفتح جبهات ونساند وننسى اننا بحاجة لمن يساندنا دائما…
يقول منصور الرحباني في صيف 840 عند تغيير الدول حفاظ راسك… رحمك الله لعل كلمتك لم تصل الى من يملك القرار في لبنان ويجر الشعب باسره الى مغامراته المجنونة والمميتة… اليوم لا نملك سوى الاعتذار من سهى بشارة وسناء محيدلي وكفاح عفيفي ومحمد رمضان وغيرهم كثر، مجموعة آمنوا بالوطن وقدموا حياتهم واحلامهم ليبقى هذا الوطن، قبل ان يأتي من يسرق حقهم ويهمش دورهم ويبنى امجاده على انقاض قضيتهم، ويلبس نبل قضيتهم تعصب ديني متطرف ولاءه للخارج دائما وابدا…
اذا كنا نقلف من سعي اسرائيل لتحقيق حلمها من النهر الى الفرات، علينا ان نقلق ايضا من اصرار ايران على تحقيق حلمها بالهلال الشيعي… احتلالان ووجهان لعملة واحدة، والضحية دائما لبنان وكل من آمن بان يغرد طائر الفنيق عاليا كما دائما ويحقق احلامه التي لا تنتهي…
لست مع هذا ولا مع ذاك، نحن مع لبنان وفقط لبنان، حين دعت الحاجة دافعنا عن القضية الفلسطينية وكأنها ارضنا، قدمنا الغالي والنفيس بينما اصحاب القضية بنوا امجادهم في الخارج، دافعنا عن كل العرب، آمنا بالقضية حتى كدنا نخسر وطننا، لكن اليوم لم يعد بالامكان التضحية بلبنان مجددا، وتقديمه لقمة سائغة على مذابح الآخرين.. كفانا قومية ولنعش بعضا من الوطنية…
تصدح اصوات تدعو الجيش الى الانخراط بالدفاع عن الارض، ونسيوا كيف همشت هذه الطبقة العفنة الحاكمة لبنان الجيش واضعفته لعقود واليوم تطالبه بالتصدي عاريا لعدو لا يرحم.. الم يكن من الاجدى لو تسلم هذه السلاح البائس الى الجيش اللبناني لتقويته ودعهمه ووقف معه وجها لوجه في مواجهة العدو؟!.. لكن هذا لا يخدم مصالح الدولة الراعية للسلاح ولا يحقق طموحها.. نفذ ثم اعترض هذا اذا كان لك النية والرغبة والحق في الاعتراض اصلا..
نستمع الى المنجمين والمشعوذين ليس سخافة منا بل لاننا نبحث عن بارقة امل يبقي حلم الوطن حيا في وجداننا وعقولنا، حلم لبنان او الوطن الحلم، الذي يخرج منه العاشق ليدخله المشتاق، وكأنه ساحرة شريرة مغرية تعرف كيف تجذب عشاق الموت الى احضانها، مع انه حسناء بهية لا تليق به الا الحياة…
محزن ما يجري في لبنان والمحزن ان ما زال هناك اشخاص تعيش خارج حدود الزمان والمكان، تحمل سيفا وترمي حجرا فيما العالم اصبح بمكان مختلف يحمل تقنيات واجهزة تأتيه من ازقة التكنولوجيا وطرقاتها التي اضعناها في حين تمرس على سبرها الآخرين…
لبنان الحلم بردا وسلاما…




