
كتبت كفا عبد الصمد:
هكذا رحل احمد قعبور، بصمت قاتل، وسط عتمة قاهرة، ودون اي انذار، صحيح ان السرطان تطاول ودخل جسده لكن فرضية نجاته او على الاقل مقاومته له كانت كبيرة، فالحياة لازالت تليق به هو من قوام بالكلمة وعبر بالصوت وحرر بالاغنية…
رحل قعبور صوت الوطن، ذاك الوطن الحلم والاغنية القضية والحضور الهادىء.. مع بداية تكون هويتنا السياسية نبحث عن شخصيات تترك في داخلنا شيئا من العزة لتتمسك بما تؤمن به اكثر، فجاءت اغنية “يا رايح صوب بلادي” نشيد الحرب تروي قصص مؤلمة في توليفة موسيقية تأسرك في عالمها الخاص، وتمنحك الحرية في رسم احلامك الثورية كما تراها من دون اي تدخلات تجميلية او اكسسوار، لتلقي بظلالها على طريقة تفكيرنا وتحمل اوزار عروبة كاذبة وتجعل من مؤلفها شخصية استثنائية لحلم مستحيل مر على البال في غفلة من الزمن…
نحن جيل انتمى الى هذه الفئة من الاصوات، وشكلت اغانيهم والحانهم بنيتنا الفكرية وعززت انتماءنا للقضية والوطن يوم كان لنا قضية ويوم كنا نحلم بوطن.. بل اكثر ان هذا اليساري المشاكس جعلنا ننتمي الى صوته مهما اختلفنا معه في الرأي، يوم كان هناك يسار وكانت هناك مقاومة…
ليس تفصيلا عابرا ان يرحل احمد قعبور في مثل هذا التوقيت، يغيب حضوره ودعسات العدو تنتهك حرمة الجنوب وتسلب مواطنيه حقهم في الحب والعيش والحياة.. رحل وانين الانكسار يدق الابواب، نعيش على مفترق طرق خطير، افضله شر واسوءه شر مطلق… هو من غن الوطن حين كان الجنوب محتلا وغاب عن الوطن والجنوب في طريقه للوقوع في فبضة الاحتلال من جديد، مفارقة قاهرة لكنها حقيقية، كلما غلبنا الشوق الى مناداة الوطن في داخلنا عدنا بذاكرتنا الى اغانيه والحانه ورؤيته الفنية الخالدة التي نشأ على انغامها جيل قضى عمره يحلم وانتهى به العمر مسلوب الحلم والامل والارادة..
الى اين تتركنا يا احمد وترحل ونحن بامس الحاجة لان تعيد في داخلنا هذا الشعور بالانتماء، ترجعنا اطفالا نبحث بين احراج بيروت وعلى مفارق كفرمتى وبين حدود الليطاني عن الحج محمد الذي اثقله الحنين فاختار الذكريات سبيلا يهرب عبرها الى وطن يحلم به.. ناديتنا يومها وكثير مما سبقونا لبوا النداء اما اليوم لا صوت لك لتنادينا ولا طاقة لنا لتلبية النداء بعد ان تحولنا الى دمى بين ايدي قوى خارجية جميعها تتفق على دفننا احياء ورمي شبابنا على مفارق بطولات وهمية، لنخسرهم ونخسر احلامهم وقدراتهم ونخسر الوطن…
احمد قعبور المشاكس بالموسيقى والمتمرد باللحن وعابر الطوائف بالغناء والمتفرد بالصوت حط رحاله وبقيت في العين دمعة وفي الحلق غصة، بقي القلب ينبض جنوبا والامل يسير على درب الرجاء… حلمت بالمستقبل لتتحول بفضل ارثك الفني الى جزء من مستقبل وطن اردناه يوما، وتبقى في ذاكرة الفن اللبناني الصوت النقي والقامة الفنية التي انتمت الى جيل العمالقة لكنها بقيت تغرد خارج السرب..
اردناه وطنا لكنهم ارادوا عكسنا ولهم مالت كفة الميزان، واتيحت امامهم الفرصة في اغتصاب الحلم وتدميره… ارقد بسلام لقد اديت قصتك من العطاء والوطنية لاجيال، وآن لك ان ترتاح وتزيل عن كتفك عبء هذا الوطن الذي شاخ دون ان يمر عليه ربيع ومل من دفن مبدعيه والبكاء على الاطلال…
احمد قعبور الصوت الذي لا يموت، توقف نبض جسدك لكن صدى الحانك يطوف في ذاكرة كل من سمعك وتربى على صوتك .. لا نعدك بالكثير لكننا نعدك بان لا نفقد الامل ونبقى اوفياء لصوتك من دون ان نحمل يا رايح صوب بلادي سلاما ملطخا بالدماء من جديد… صوت اختصر الوطن ومنح القضية هوية.. تحية لروحك ووردة من نور ونار…


