سلايدات

جيش ترامب: نفِّذ ولا تعترض

كتب موفق حرب في أساس ميديا:

في ليلة الثاني من نيسان 2026، وفيما كانت القوّات الأميركيّة تخوض أضخم مواجهة عسكريّة منذ أكثر من عقدين، التقط وزير الحرب بيت هيغسيث هاتفه وأبلغ قائد أركان الجيش بأنّ عليه إخلاء مكتبه فوراً.

الجنرال راندي جورج، الضابط الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في خدمة بلاده وشارك في العمليّات الكبرى من عاصفة الصحراء إلى أفغانستان، أُبلِغ بإحالته الفوريّة إلى التقاعد من دون مقدّمات ولا تفسير. في اليوم ذاته، أعلن الرئيس دونالد ترامب من شاشات التلفزيون أنّ الولايات المتّحدة ستُصعّد ضرباتها على إيران. الرجل المنوط به تنفيذ تلك الضربات على الأرض لم يعد في منصبه.

عبّر مسؤول أميركيّ رفيع رفض الكشف عن هويّته عن ذهوله بجملة صارت تُتداول في أروقة البنتاغون: “الجنرال يعمل على توفير المعدّات ونقل القوّات إلى الميدان لحماية جنودنا… وتُقيله في خضمّ الحرب؟”.

لم تكن هذه حادثة معزولة، بل هي آخر فصول مسلسل هو الأكثر إثارةً للجدل في التاريخ العسكريّ الأميركيّ الحديث. منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض مطلع 2025، جرت إقالة أو إجبار على التقاعد أكثر من ثلاثة عشر من كبار الجنرالات والأدميرالات، في تغيير ممنهج للقيادة العسكريّة العليا لا سابق له في تاريخ الجمهوريّة الأميركيّة.

موجة الإقالات

بدأت موجة الإقالات في الأيّام الأولى من ولاية ترامب الثانية. كانت الأميرال ليندا فاغان، أوّل امرأة تتولّى قيادة فرع من فروع القوّات المسلّحة الأميركيّة (خفر السواحل)، أوّل من طالتها يد التطهير. جاء قرار إعفائها مصحوباً بتبريرات مبهمة عن “إخفاقات قياديّة وعجز عن تحقيق الأهداف الاستراتيجيّة”.

ثمّ جاءت ليلة الجمعة في الحادي والعشرين من شباط 2025، وهي ليلة أطلق عليها الديمقراطيون “مجزرة الجمعة الليليّة”. أُقيل الجنرال تشارلز كيو. براون، ثاني أميركيّ من أصول إفريقيّة يتولّى رئاسة هيئة الأركان المشتركة، فيما أجبرت وزارة الدفاع الأميرال ليزا فرانشيتي، أوّل امرأة عضو في هيئة الأركان المشتركة، على مغادرة منصبها، إلى جانب الجنرال جيم سلايف نائب قائد القوّات الجوّيّة.

كشفت المعطيات تدريجاً عن المنطق الحقيقيّ الكامن وراء هذه الإقالات: ليس معيار الكفاءة أو الخبرة القتاليّة أو الإنجاز المهنيّ، بل معيار الولاء الشخصيّ

لم تتوقّف موجة الإقالات هنا. طالت الجنرال تيموثي هوف، مدير وكالة الأمن القوميّ والقائد المشترك للقيادة الإلكترونيّة، أحد أكثر المناصب حساسيّةً في المنظومة الاستخباريّة الأميركيّة، في خطوة مثيرة للقلق تزامنت مع ادّعاءات المعلّقة اليمينيّة المتطرّفة لورا لومر أنّها هي من حرّضت ترامب على إقالته بسبب “روابطه مع الجنرال مارك ميلي والإدارة السابقة”.

في أيلول 2025، جرت إقالة الفريق جيفري كروس مدير وكالة الاستخبارات الدفاعيّة في أعقاب تقرير استخباريّ خلص إلى نتائج تتعارض مع الادّعاءات الرئاسيّة بشأن نتائج الضربات الأميركيّة على إيران. كان قد سبق ذلك، وفق ما أفادت به تقارير موثوقة، تهديد صريح من هيغسيث لكبار الضبّاط في اجتماع موسّع: “إن كانت الكلمات التي أنطق بها تجعل قلوبكم تغرق، فعليكم أن تتشرّفوا بتقديم استقالاتكم”.

صمت البنتاغون

غير أنّ اللافت في أحدث هذه الإقالات هو الأسلوب الذي جرت به. حين أُقيل قائد أركان الجيش راندي جورج Gen. Randy George في الثاني من نيسان 2026، لم يصدر بيان رسميّ من البنتاغون يُفسّر الأسباب، بل اكتفى المتحدّث باسم وزارة الدفاع شين بارنل Sean Parnell بنشر تغريدة على منصّة X جاء فيها أنّ الجنرال جورج “سيتقاعد من منصبه بصفة فوريّة”، وهي صياغة تُخفي وراءها حقيقة الإقالة القسريّة في قالب تطوّعيّ.

بحسب ما أفادت به “فوكس نيوز” Fox News، لم يُبلّغ وزير الدفاع هيغسيث الجنرال جورج بأيّ سبب حين طالبه بالرحيل. أمّا الجنرالان الآخران اللذان أُقيلا في اليوم ذاته، الجنرال ديفيد هودني Gen. David Hodne قائد قيادة التحوّل والتدريب في الجيش، ووليام غرين جونيور Maj. Gen. William Green Jr كبير قسّيسي الجيش، فلم يصدر بشأنهما أيّ بيان رسميّ من البنتاغون على الإطلاق. هكذا باتت الإقالة تجري بتغريدة، والصمت هو الردّ الرسميّ الوحيد على تساؤلات الكونغرس والرأي العامّ.

 منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض مطلع 2025، جرت إقالة أو إجبار على التقاعد أكثر من ثلاثة عشر من كبار الجنرالات والأدميرالات

لم تقدّم الإدارة في الغالب أيّ مبرّر رسميّ لهذه الإقالات. حين أعلن ترامب على منصّة “تروث سوشيل” إقالة الجنرال براون، أثنى عليه واصفاً إيّاه بـ”الرجل النبيل والقائد المتميّز”، ثمّ أبلغه بأنّ خدماته لم تعد مطلوبة.

كشفت المعطيات تدريجاً عن المنطق الحقيقيّ الكامن وراء هذه الإقالات: ليس معيار الكفاءة أو الخبرة القتاليّة أو الإنجاز المهنيّ، بل معيار الولاء الشخصيّ. تحدّث الجنرال براون علناً عن تجربته كأميركيّ أسود في الجيش، والأميرال فرانشيتي كانت أوّل امرأة في تاريخ القوّات البحريّة تتولّى قيادة مجموعة سفن هجوميّة، والجنرال جورج كان يعمل بشكل وثيق مع إدارة بايدن. بات يُعدّ كلّ هذا “تهمةً” في المناخ السياسيّ الجديد.

بالتوازي، تراجع الحضور الإعلاميّ للمؤسّسة الدفاعيّة، وانخفضت الإحاطات العلنيّة، وهو ما يعكس مستوى أعلى من التحكّم في تدفّق المعلومات خلال العمليّات العسكريّة.

الأخطر من ذلك، بحسب بعض الخبراء، هو ما قد يعنيه هذا المناخ بالنسبة لآليّات اتّخاذ القرار، خصوصاً في ما يتعلّق باستخدام القوّة ومعايير الاستهداف.

في موازاة إعادة تشكيل القيادة العسكريّة، طرأت تغييرات لافتة على علاقة البنتاغون بالإعلام. لقد أُعيد تنظيم وجود الصحافيّين داخل مقرّ وزارة الدفاع، وفُرضت قيود جديدة على حركة المراسلين العسكريّين وآليّات وصولهم إلى المصادر. هذه الإجراءات، التي قُدّمت رسميّاً تحت عناوين تنظيميّة وأمنيّة، كان لها أثر مباشر على قدرة الصحافيّين على بناء شبكة علاقات داخل المؤسّسة، وهي الشبكة التي لطالما شكّلت العمود الفقريّ للتغطية الدقيقة والمستقلّة.

في واشنطن، لا يُنظر إلى هذه الخطوة بمعزل عن السياق الأوسع. حين تتزامن إعادة ضبط قنوات الوصول الإعلامي مع تغييرات متسارعة في هرم القيادة، يصبح السؤال أقلّ ارتباطاً بالإجراءات التقنيّة، وأكثر اتّصالاً بطبيعة البيئة التي يُراد إنتاجها داخل المؤسّسة: بيئة تُدار فيها المعلومات بقدرٍ أكبر من الانضباط وبقدرٍ أقلّ من الانفتاح.

يخوض الجيش الأميركيّ اليوم حرباً حقيقيّة. في مثل هذا الظرف بالذات، لا تُقاس التداعيات بالتصريحات السياسيّة بل بنتائج ميدانيّة قد لا تظهر إلّا بعد فوات الأوان

تحرّك خمسة وزراء دفاع سابقين

خمسة وزراء دفاع سابقين من الحزبين الجمهوريّ والديمقراطيّ وقّعوا رسالة مفتوحة تطالب الكونغرس بعقد جلسات استماع عاجلة، مؤكّدين أنّ هذه الإقالات لا علاقة لها بالجاهزيّة القتاليّة، وأنّ ما يجري هو في جوهره محاولة لتسييس المؤسّسة العسكريّة وتحويلها من مؤسّسة تخدم الدستور إلى جهاز يخدم الرئيس.

الأثر المؤسّسيّ لهذه التصفية المتواصلة بالغ العمق. لقد باتت القيادة العسكريّة العليا تعمل في ظلّ حالة من القلق الصامت. يكشف مصدر عسكريّ مخضرم أنّ الضبّاط من ذوي النجوم باتوا يمتنعون عن إبداء آرائهم المهنيّة خشية أن يكون مصيرهم الإقالة الفوريّة.

أين وزير الدّفاع؟

تجسّدت هذه الحالة بوضوح في انعدام شبه كامل للإحاطات العسكريّة للرأي العامّ: لم يعقد هيغسيث سوى مؤتمرين صحافيَّين طوال عام 2025. بمعنى آخر، يخوض الجيش الأميركيّ حرباً في منطقة الشرق الأوسط وسط إحكام غير مسبوق على المعلومات الصادرة عن المؤسّسة الدفاعيّة.

الأخطر من ذلك هو تفكيك منظومة الضمانات القانونيّة والأخلاقيّة في عمليّات الاستهداف. أُقيل الطاقم المتخصّص في تقويم الأضرار المدنيّة وتطبيق معايير القانون الدوليّ الإنسانيّ. هذا لا يعني ضعف القيادة المهنيّة فحسب، بل يعني احتماليّة التصرّف خارج القيود القانونيّة في النزاعات المسلّحة الجارية.

على الصعيد الجيوسياسيّ، وصف السناتور جاك ريد ما يجري بأنّه “هديّة ثمينة قدّمها ترامب للصين وروسيا وإيران وكوريا الشماليّة، إذ طهّر من قيادتنا الأمنيّة عناصر الكفاءة والخبرة”.

الجواب في البدايات

لفهم ما يجري اليوم، لا بدّ من العودة إلى الولاية الأولى.

الفارق الجوهريّ في الولاية الثانية هو أنّ ترامب لم يعد يحتاج إلى أن يتعلّم من تجربة

في الولاية الأولى (2017-2021)، دخل ترامب البيت الأبيض مُتحمّساً للعسكريّين، وعيّن عدداً غير مسبوق من الجنرالات المتقاعدين في حكومته، مطلقاً عليهم لقب “جنرالاتي”. غير أنّ العلاقة سرعان ما توتّرت حين اكتشف أنّ هؤلاء الضبّاط المحترفين جاؤوا يحملون معهم مفهوم الواجب المهنيّ لا الطاعة العمياء. استقال الجنرال ماتيس احتجاجاً على قرار الانسحاب المتسرّع من سوريا. غادر الجنرال كيلي بعد صراعات متواصلة. تحوّل الجنرال ميلي، الذي اختاره ترامب بنفسه لرئاسة هيئة الأركان، إلى أحد أشدّ منتقديه.

الفارق الجوهريّ في الولاية الثانية هو أنّ ترامب لم يعد يحتاج إلى أن يتعلّم من تجربة. لقد تعلّم. أدرك أنّ المشكلة لم تكن في الأفراد بل في المؤسّسة ذاتها، في ثقافة الواجب المهنيّ التي تجعل الجنرال يعارض أمراً يعتبره غير قانونيّ أو غير حكيم. لذا قرّر هذه المرّة المضيّ نحو اجتثاث هذه الثقافة من جذورها.

في الولاية الأولى، أُقيل الجنرالات بعد نشوء الخلاف. في الولاية الثانية، يُقالون حتّى قبل أن يتسنّى لهم إبداء أيّ خلاف. الأوّل كان تفاعلاً، والثاني تصفية استباقيّة ممنهجة.

الأهمّ أنّ أدوات التنفيذ اختلفت جذريّاً. في الولاية الأولى، كانت ثمّة عوامل كابحة: وزير دفاع من المؤسّسة، ومستشار للأمن القوميّ يملك ثقلاً مؤسّسيّاً، ورأي عامّ داخل الحزب الجمهوريّ يُجلّ المؤسّسة العسكريّة. في الولاية الثانية، حلّ محلّ كلّ ذلك هيغسيث، الصحافيّ التلفزيونيّ السابق،  ليصبح أداة تنفيذيّة طيّعة لمشروع إعادة تشكيل الجيش على مقاس الولاء السياسيّ.

بدأت موجة الإقالات في الأيّام الأولى من ولاية ترامب الثانية

معيار الولاء السّياسيّ

الرئيس الأميركيّ له الحقّ الدستوريّ في اختيار قادته العسكريّين. لكنّ ثمّة فارقاً كبيراً بين اختيار قيادة تُناسب توجّهاته الاستراتيجيّة وبين تفكيك منظومة من الكفاءة والخبرة المتراكمة لتحلّ محلّها منظومة من الطاعة والانصياع.

يخوض الجيش الأميركيّ اليوم حرباً حقيقيّة. في مثل هذا الظرف بالذات، لا تُقاس التداعيات بالتصريحات السياسيّة بل بنتائج ميدانيّة قد لا تظهر إلّا بعد فوات الأوان.

السؤال الذي يبقى معلّقاً في سماء الولايات المتّحدة: هل يبني ترامب جيشاً أقوى أم يبني جيشاً أكثر طاعة؟ في زمن الحرب، الفارق بين الاثنين قد يُكلّف ثمناً لا يُحتمل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى