
كتب رماح هاشم في نداء الوطن:
يعتمد الاقتصاد اللبناني بشكل كبير على التصدير البرّي من خلال معبر المصنع، حيث يمرّ عبره الجزء الأكبر من المنتجات الزراعية، فيما يشكّل أيضًا ممرًّا لاستيراد السلع والمواد الأساسية.
من الناحية اللوجستية، يمرّ عبر المعبر أكثر من 250 إلى 300 شاحنة يوميًا، محمّلة بما يزيد عن خمسة آلاف طن من البضائع ذهابًا وإيابًا. هذا الواقع يبرز أهمية المعبر كخط حيويّ وحاسم لاستقرار التجارة والاقتصاد، ويجعل أي تعطيل أو تهديد للأمن فيه مسألة خطيرة، ليس فقط على المستوى المالي، بل أيضًا على صعيد الأمن الغذائي والقدرة الإنتاجية للمزارعين.
التداعيات الاقتصادية والإدارية
اعتبر الخبير الاقتصادي وعضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في لبنان د. أنيس بو دياب أن “توقف العمل في المعابر البرّية، ولا سيّما معبر المصنع ومعبر العبودية، يشكّل ضربة مباشرة لحركة الصادرات والاستيراد في لبنان، نظرًا لاعتماد البلاد بشكل أساسي على هذه المعابر في النقل البرّي”.
وأوضح بو دياب لـ “نداء الوطن”، أن “إقفال هذه المعابر يؤدّي عمليًا إلى شلل شبه كامل في حركة التصدير البرّي”، مشيرًا إلى أن “ما بين 70 إلى 90 في المئة من الصادرات الزراعية اللبنانية تمرّ عبر البر، ومعظمها عبر معبر المصنع، تبعًا لطبيعة المواسم”.
وأشار إلى أن “هذا الواقع ينعكس سلبًا على القطاع الزراعي، خصوصًا في فترات الذروة، حيث يؤدّي تعذّر التصدير إلى تكدّس الإنتاج في الأسواق المحلية، ما يتسبّب في حالة ركود وتراجع في الأسعار، ويكبّد المزارعين خسائر كبيرة”.
وأضاف: “الخسائر لا تقتصر على الكمّيات غير المُصدَّرة، بل تمتدّ إلى الأثر الاقتصادي المباشر”، لافتًا إلى أن “الخسائر اليومية للقطاع الزراعي تُقدَّر بما يتراوح بين مليون ونصف وثلاثة ملايين دولار، وفقًا لحجم التصدير في كلّ موسم”.
الانعكاسات على الأسعار
تناول بو دياب انعكاسات إقفال المعابر البرّية على أسعار السلع في السوق المحلّية، مشيرًا إلى أن “التأثير لا يكون أحادي الاتجاه، بل يمرّ بمراحل متباينة”.
وأوضح أن “المرحلة الأولى تشهد تراجعًا في أسعار المنتجات الزراعية، نتيجة زيادة العرض في السوق المحلية، بعدما يتعذّر تصدير الإنتاج إلى الخارج عبر المعابر البرّية، ولا سيّما معبر المصنع”، مضيفًا “هذا الواقع يؤدّي إلى تكدّس الكمّيات داخل لبنان، ما يفرض ضغوطًا نزولية على الأسعار، ويتسبّب في تلف جزء من الإنتاج، الأمر الذي ينعكس خسائر مباشرة على المزارعين”.
“موجة تضخمية”
في المقابل، أشار بو دياب إلى أن “المرحلة اللاحقة تحمل منحى معاكسًا، إذ إن لبنان يعتمد جزئيًا على المعابر البرّية لاستيراد عدد من السلع الغذائية وغيرها. ومع تعطّل هذه المعابر، تُفرض بدائل أكثر كلفة، كالشحن البحري أو الجوي، ما يؤدّي إلى ارتفاع كلفة النقل وبالتالي زيادة أسعار هذه السلع في السوق المحلية”.
ولفت إلى أن “هذا التحوّل يفتح الباب أمام موجة تضخمية لاحقة، نتيجة ارتفاع كلفة الاستيراد، وإن كانت حدّتها تبقى أقلّ نسبيًا مقارنة بعوامل أخرى، نظرًا لأن الجزء الأكبر من التجارة الخارجية اللبنانية يتمّ أساسًا عبر البحر”.
ضغوط على العملة الصعبة
في ما يتعلّق بالانعكاسات النقدية، أوضح بو دياب أن “إقفال المعابر البرّية يفاقم الضغوط على العملة الصعبة، من خلال تأثيره المباشر على معادلة الاستيراد والتصدير”.
وأشار إلى أن “ارتفاع كلفة الاستيراد، نتيجة التحوّل إلى الشحن البحري أو الجوي، يؤدّي إلى زيادة فاتورة الاستيراد واستنزاف الدولار”.
ولفت إلى أن “هذه الظاهرة تظهر بوضوح في ملف المحروقات، حيث ارتفعت الفاتورة الشهرية من نحو 400 مليون دولار إلى حوالى 550 مليون دولار، أي بزيادة تقارب ملياري دولار سنويًا في هذا القطاع وحده”.
في المقابل، شدّد بو دياب على أن “تراجع الصادرات، ولا سيّما الزراعية منها، يحدّ من تدفّق العملات الأجنبية إلى الداخل، خصوصًا في ظلّ تعطّل ما بين 70 إلى 90 في المئة من هذه الصادرات نتيجة إقفال المعابر البرّية، وفي مقدّمها معبر المصنع”.
وأوضح أن “هذا الخلل بين ارتفاع الاستيراد وتراجع التصدير من شأنه أن يوسّع عجز ميزان المدفوعات، ما يؤدي إلى استنزاف إضافي للدولار ويزيد حدّة شحّه في السوق”.
إلّا أنه لفت إلى أن “هذا الواقع لن ينعكس فورًا على سعر صرف الليرة”، معتبرًا أن “المرحلة الآنية لا تزال تحت السيطرة، في ظلّ وجود احتياطيات لدى مصرف لبنان، إلى جانب استمرار تدفّق الدولار من الخارج”. لكنه حذّر في المقابل من أن “استمرار الأزمة لأكثر من شهرين أو ثلاثة قد يؤدّي إلى ضغوط فعلية على سعر الصرف، مع تآكل تدريجيّ في الاحتياطيات، ما لم تُتخذ إجراءات تحدّ من تفاقم العجز”.
وأكد أن “استقرار سعر الصرف في المدى القصير لا يعني تحسّن المؤشرات، بل يعكس قدرة موقتة على إدارة السيولة، في وقت تستمرّ فيه الضغوط البنيوية على الاقتصاد”.
البدائل المتاحة
في ما يتعلّق بالبدائل المتاحة، أشار بو دياب إلى أن “لبنان يمتلك نظريًا خيارات بديلة للنقل البرّي، عبر الشحن البحري من خلال مرفأ بيروت ومرفأ طرابلس، إضافة إلى الشحن الجوّي”.
إلّا أنه أوضح أن هذه “البدائل تبقى محدودة الفعالية، نظرًا لارتفاع كلفتها مقارنة بالنقل البرّي، ما ينعكس مباشرة على كلفة التصدير والاستيراد”. ولفت إلى أن “جزءًا كبيرًا من المنتجات الزراعية اللبنانية، لا سيّما السلع السريعة التلف، لا يمكن شحنها بحرًا بسهولة، إلّا باستخدام تقنيات تبريد خاصة، ما يرفع الكلفة بشكل كبير ويحدّ من القدرة التنافسية”.
أضاف أن “الشحن الجوّي، رغم سرعته، يواجه بدوره تحدّيات، أبرزها ارتفاع تكاليفه، إلى جانب محدودية القدرة التشغيلية في مطار بيروت الدولي، حيث لا تعمل جميع شركات الشحن بكامل طاقتها، ما يقيّد حجم الصادرات الممكن نقلها جوًّا”.
واعتبر بو دياب أن “هذه العوامل مجتمعة تجعل من الصعب التعويض عن إقفال المعابر البرّية، خصوصًا في ما يتعلّق بالصادرات الزراعية، التي تبقى الأكثر تأثرًا، نتيجة حساسيتها للوقت والكلفة، ما يعيق تصريف الإنتاج ويضاعف الخسائر على المزارعين”.
الإجراءات المطلوبة
في سياق الإجراءات المطلوبة، اعتبر بو دياب أن أي “تدابير طارئة قد تلجأ إليها الحكومة تبقى محدودة الفعاليّة، في ظلّ الأزمة المالية والاقتصادية التي تعيشها البلاد”.
وأوضح أن “الخيارات المتاحة، وإن كانت ضرورية، إلّا أنها مكلفة للغاية، إذ تبدأ بدعم المزارعين المتضرّرين من تعذّر التصدير، وقد تمتدّ إلى دعم الفئات الأكثر حاجة أو حتى بعض السلع الأساسية، رغم أن هذا النوع من السياسات لا يُفضَّل عادة، إلّا أن تطبيقه في الظروف الحالية يواجه تحدّيات كبيرة، نظرًا لضعف الإمكانات المالية للدولة”.
وأشار إلى أن “لبنان، في ظلّ هذه الظروف، لا يمتلك هامشًا واسعًا للتحرّك، خصوصًا مع تزايد الضغوط الناتجة عن الوضع الأمني، ما يجعل من الصعب على الحكومة تحمّل أعباء إضافية”.
في المقابل، شدّد بو دياب على أن “الخيار الأكثر واقعية يكمن في العمل على المسار الدبلوماسي، بهدف الحفاظ على استمرارية عمل المعابر البرّية، وفي مقدّمها معبر المصنع ومعبر العبودية، لتفادي تعرّض الاقتصاد لصدمة إضافية قد تفاقم الأزمة القائمة”.
السيناريو الأخطر
لفت بو دياب إلى أن “السيناريو الأخطر يتمثل في توسّع نطاق التعطيل ليشمل المرافق الحيوية الأخرى، كمرفأ بيروت ومطار بيروت الدولي (حصار اقتصادي كامل على لبنان)، ما قد يؤدّي إلى أزمة أعمق على مستوى تدفّق الدولار إلى البلاد”.
ختم بالتأكيد أن “الوصول إلى هذا السيناريو سيعني تضييق الخيارات إلى حدّها الأدنى، والدخول في مرحلة أكثر تعقيدًا على المستويين المالي والاقتصادي، مع مخاطر جدّية على الاستقرار النقدي”.
الأثر الزراعي واللوجستي
من جهته، شدّد رئيس الاتحاد الوطني للفلّاحين في لبنان، ابراهيم ترشيشي على “أهمية معبر المصنع”، معتبرًا أنه “يُعدّ من أكثر المعابر أمانًا في لبنان، نظرًا للإجراءات الأمنية والرقابية المشدّدة المعتمدة فيه”.
وأوضح ترشيشي لـ “نداء الوطن”، أن “المعبر يخضع لإشراف كامل من مختلف الأجهزة الرسميّة، بما فيها الجمارك، والأمن العام، وقوى الأمن الداخلي، والجيش اللبناني، إلى جانب الأجهزة الاستخباراتية، فضلًا عن وجود رقابة زراعية وصحية دقيقة تشمل فحص البضائع وأخذ عيّنات منها وإخضاعها للتحليل المخبري”.
ورأى ترشيشي أن أي “اتهامات تُوجَّه إلى هذا المعبر لا تستند إلى معطيات واقعية”، محذّرًا من أن “استهدافه أو تعطيله قد يفتح الباب أمام تداعيات خطيرة على لبنان، ليس فقط على المستوى الاقتصادي، بل أيضًا في إطار ما يشبه “الحصار” غير المعلن”.
نقطة تواصل أساسية
وأشار إلى أن “معبر المصنع يشكّل اليوم المنفذ البرّي الأساسي، بل شبه الوحيد، لحركة التصدير والاستيراد، في ظلّ توقف فعلي للمعابر الأخرى في الشمال، ما يجعله نقطة التواصل الأساسية بين لبنان والدول العربية”.
كما أشار إلى أن “تشغيله اليوم يتيح تصدير واستيراد البضائع الأساسية، بما في ذلك المواد الزراعية والسلع الغذائية”، موضحًا أن “المعبر يشهد يوميًا مرور أكثر من 250 إلى 300 شاحنة، محمّلة بما يزيد على خمسة آلاف طن من البضائع، ما يعكس أهميّته الكبيرة في الحفاظ على توازن الأسواق واستقرار حركة التجارة”.
ولفت أيضًا إلى أن “هذا المعبر يُستخدم لتصدير المنتجات اللبنانية إلى كلّ من سوريا والأردن والعراق، ومنه إلى باقي الدول العربية”، مشيرًا إلى أن “إغلاق الطرق البحرية في بعض المراحل، إضافة إلى القيود المفروضة على النقل البرّي عبر بعض الدول، يزيد أهمّية هذا الممرّ الحيوي”.
وأعرب عن خشيته من أن “يؤدي أي تصعيد إلى إقفال المعبر، أو توسّع نطاق التعطيل ليشمل مرفأ بيروت ومطار بيروت الدولي، ما قد يضع لبنان أمام أزمة اقتصادية خانقة”.
وحذّر ترشيشي من أن أي “تعطيل للمعبر سيؤدي إلى أزمات اقتصادية متواصلة ومتراكمة، مع خسائر كبيرة وغير محدودة للقطاع الزراعي والتجاري”، مضيفًا أن “هذه التهديدات تأتي في سياق سياسي وأمني معقد، حيث يُعتقد أن هناك محاولات لفصل مناطق معيّنة عن بعضها البعض وخلق بلبلة بين الفلاحين والمستثمرين، ما يزيد من حالة عدم الاستقرار ويزرع الهلع في الأسواق”.
وشدّد ترشيشي على “ضرورة تدخل السلطات العليا في لبنان، بما فيها رئاسة الجمهورية والحكومة ووزير النقل، لضمان بقاء معبر المصنع مفتوحًا، وحمايته من أي محاولات تعطيل أو استغلال سياسي قد يضرّ بالاقتصاد اللبناني”.
وأشار إلى أن “هذه التحركات غير المألوفة والخطيرة تتجاوز كلّ المعايير والمنطق”، داعيًا أيضًا “المجتمع الدولي، ومجلس الأمن، والدول الصديقة للبنان إلى متابعة الوضع والمساهمة في الحفاظ على هذا الممرّ الحيوي، الذي يعتبر شريانًا أساسيًا لتصدير واستيراد البضائع والسلع الحيوية، ويؤثر مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والزراعي في البلاد”.
وختم ترشيشي موضحًا أن “الجهات المعنيّة تبحث عن بدائل لمعبر المصنع خلال فترة الإغلاق”، مشيرًا إلى “إمكانية استخدام معبر الجوسية في شمال لبنان، الذي يعتبر معبرًا معتمدًا رسميًا من قبل وزارة الأشغال العامة، ويُمكن تحويل بعض السيارات والشحنات عبره”.
في ظلّ هذا الواقع، يتجاوز إقفال معبر المصنع كونه أزمة عابرة ليصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاقتصاد اللبناني على الصمود في وجه الصدمات المتلاحقة. أخطر ما في المشهد لا يكمن فقط في الأرقام، بل في المسار الذي قد تسلكه الأمور في حال استمرار التعطيل أو توسّعه. فإقفال المعابر البرّية، إذا ما ترافق مع أي خلل في عمل المرافئ أو المطار، قد يضع لبنان أمام ما يشبه العزلة الاقتصادية، حيث تتعطّل سلاسل الإمداد، وتختنق الأسواق، وتتآكل القدرة الشرائية بوتيرة أسرع. عندها، لن تكون الخسائر محصورة بقطاع أو فئة، بل ستطول مجمل الاقتصاد، ما يجعل الحفاظ على هذا الشريان الحيوي أولوية تتقدّم على أي اعتبارات أخرى، قبل أن تتحوّل الأزمة إلى نقطة تحوّل يصعب العودة بعدها إلى الوراء.




