
كتبت جوانا فرحات في المركزية:
صرختهم واحدة ولم تتبدل منذ الثمانينات “باقيين بأرضنا وبدنا نموت ونندفن بترابها”. هم أهل قرى الشريط الحدودي الذين يعيشون “التجربة” للمرة الثانية ومع ذلك لا تزال صرختهم واحدة” صامدون حتى النفس الأخير”. وبين خيار الرحيل وإرادة البقاء، يكتب أهالي القرى الحدودية فصولًا جديدة من الصمود، حيث يصبح التمسك بالأرض فعل مقاومة بحد ذاته، ورسالة وجود تتجاوز حدود الجغرافيا.
المدير التنفيذي لملتقى التأثير المدني الدكتور زياد الصائغ يقول لـ”المركزية”، “الصمود يبدأ بالإنسان المتجذر في أرضه، لكنه لا يستمر من دون منظومة حماية. هذه المنظومة يفترض أن تقوم على ثلاث ركائز: حضور الدولة، ودعم المجتمع، ومواكبة الكنيسة. ما يحصل اليوم أن الركيزة الأساسية، أي الدولة، غائبة أو مترددة. ما يُسمّى حياداً هو في الواقع حياد العجز، حيث تترك الدولة مواطنيها بين تهديدات أمنية مباشرة وبين خطر التخوين. هذا ليس حياداً، بل انسحاب من المسؤولية السيادية”. ورداً على سؤال عما هو مطلوب من الدولة يوضح “المطلوب ببساطة أن تتصرف الدولة كدولة. أي أن تحسم مرجعيتها الأمنية والعسكرية، وأن تفرض حضورها الحصري في هذه المناطق، وأن تضع خطة صمود متكاملة تشمل الأمن والخدمات والاقتصاد. والمطلوب أيضاً خطاب سياسي واضح ينهي ثقافة الالتباس، إذ لا يمكن أن يُطلب من الناس الصمود فيما الدولة نفسها تتردد في حمايتهم”.
حين تغيب البدائل، يصبح البقاء بطولة قسرية. وحتى لا يتحول فعل الصمود إلى فعل انتظار المجهول طرقوا أبواب الكنيسة وبدأ الحراك نحو قرى الشريط الحدودي. وتعقيباً يقول الصائغ “هذا الحراك يتجاوز البعد الرعوي إلى بعد سيادي واضح. فحين ينتقل السفير البابوي في لبنان باولو بورجيا والبطريرك بشارة الراعي إلى هذه القرى، فذلك ليس تضامناً معزولاً بل فعل تثبيت للناس في أرضهم، ورسالة مزدوجة الأولى إلى الداخل اللبناني ومفادها أن هذه القرى ليست متروكة، والثانية إلى الخارج وفحواها أن ما يجري ليس تفصيلاً أمنياً بل مسألة تتصل بكيان لبنان نفسه”.
ويضيف” الكنيسة هنا تملأ فراغاً سيادياً، وتعيد وضع هذه القرى في قلب المعادلة الوطنية، لا على هامشها. والكرسي الرسولي يلعب دوراً أساسياً في إبقاء هذه القضية حيّة على المستوى الدولي. صحيح أنه لا يملك أدوات القوة الصلبة، لكنه يمتلك قوة التأثير الأخلاقي والدبلوماسي. ومن خلاله يمكن نقل معاناة هذه القرى من إطارها المحلي إلى مستوى الاهتمام الدولي، وربطها بمسألة حماية التعددية في لبنان. والمطلوب تحويل هذه المعاناة إلى ملف موثق يُطرح في المحافل الدولية، لا أن تبقى مجرد نداءات إنسانية”.
في القرى الحدودية، الزمن ليس خطًا مستقيمًا، بل دائرة تعيد طرح الأسئلة نفسها: البقاء أم الرحيل؟ الصمود أم النجاة وهل يعيد التاريخ نفسه؟ هنا يقول الصائغ “ما يعيشه أهالي قرى الشريط الحدودي اليوم يشبه مراحل سابقة من حيث الجوهر، لا من حيث الشكل. دائماً كانت هذه القرى في موقع الانكشاف. لكن الجديد اليوم هو تعقيد التهديد إذ أنه لم يعد عسكرياً فقط، بل أصبح نفسياً واقتصادياً وسردياً. والأخطر أن الضحية قد تُتّهم، والصمود قد يُساء تفسيره”.
ويتوقف الصائغ عند كلام رئيس الجمهورية جوزاف عون الذي أكد على ” رفض تخوين الأهالي الصامدين في قرى الشريط الحدودي في عهده”. ويقول”هذا الكلام مهم من حيث المبدأ، لكنه يكشف في الوقت نفسه أن هذه الإشكالية قائمة. والمطلوب ترجمة هذا الموقف إلى سياسة فعلية تحمي الناس، لا الاكتفاء بإعلان نوايا. أما مسألة التخوين، فلا يمكن ضبطها إلا بمرجعية دولة واضحة. في غياب ذلك، يبقى الأهالي عرضة للاتهام في كل مرحلة”.
سؤال ملح يُطرح: إلى أي حد يشكل حزب الله والحرس الثوري الإيراني عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد؟ يجيب الصائغ “هنا نصل إلى جوهر الإشكالية السيادية. فوجود قوة عسكرية خارج إطار الدولة ومرتبطة استراتيجياً بالحرس الثوري الإيراني، يخلق واقعاً موازياً يضع هذه القرى في قلب صراعات لا قرار لها فيها. على أن الخطورة لا تكمن فقط في استجلاب الردود العسكرية، بل في تحويل الجغرافيا اللبنانية، بما فيها القرى الحدودية، إلى منصات اشتباك إقليمي. وفي هذا السياق، يصبح الأهالي عملياً في موقع الانكشاف المزدوج: من جهة، تحت تهديد التوغلات والاعتداءات، ومن جهة أخرى، ضمن بيئة تُستخدم فيها الأرض كجزء من معادلات الردع الإقليمي. وهذا الواقع يطرح سؤالاً بالغ الخطورة: هل يُترك المواطن ليكون درعاً بشرياً في صراع يتجاوز الدولة؟ هنا تحديداً يظهر الخلل الجيو-سياسي. عندما تُختزل السيادة، تُستباح الجغرافيا، ويُترك الإنسان لمعادلات القوة”.
ويتابع الصائغ رداً على احتمال أن نكون أمام واقع احتلال مستدام وليس مجرد توغل مرحلي ليضيف ” الخطر ليس فقط في استمرار الاحتلال أو التوغّل، بل في تطبيع هذا الواقع. وعندما يصبح التعامل معه كأمر واقع، نكون أمام مرحلة أخطر من الاحتلال نفسه”.
ثلاثة سيناريوهات يرسمها الصائغ لمستقبل قرى الشريط الحدودي “الأول، تآكل بطيء يؤدي إلى تفريغ هذه القرى ديموغرافياً، الثاني، صمود هش قائم على المبادرات المحلية والكنسية من دون غطاء سيادي فعلي، والثالث، وهو المطلوب، استعادة الدولة لدورها الكامل. وفي ظل المعطيات الحالية، يبقى الخطر الأكبر في الانزلاق من الصمود الهش إلى التآكل التدريجي”.
ويختم الصائغ موضحاً أسباب خشيته على مصير قرى الشريط الحدودي مشيراً إلى أنّ” الخشية جدية لكن ليس بسبب ضعف الأهالي، بل بسبب تراكم عوامل الانكشاف. غياب الدولة، تعدد مراكز القرار، واستمرار الضغط الأمني. الخطر هو أن يتحول الصمود إلى استنزاف، وأن يصبح البقاء عبئاً. في النهاية، القضية ليست قضية قرى مسيحية فقط، بل قضية معنى لبنان نفسه: فإما دولة تحمي مواطنيها وتفرض سيادتها، أو ساحة مفتوحة تُدار بتوازنات القوى”




