
كتبت كلير شكر في أساس ميديا:
من خارج السياق الدمويّ، الذي طبعه العدوان الإسرائيليّ الأخير على بيروت وعدد من المناطق اللبنانيّة، ضغطت واشنطن من جديد لتدشين مسار من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل لا يلغي المسار العسكريّ ولا يوقفه، في وقت تستعدّ إيران لمفاوضة “الشيطان الأكبر” في إسلام آباد. ما الذي دفع لإحياء فكرة التفاوض اللبنانيّ – الإسرائيليّ بعدما طوتها التطوّرات العسكريّة؟
وفق المعلومات، تحرّكت واشنطن خلال الساعات الأخيرة لإعادة جمع لبنان وإسرائيل إلى طاولة واحدة، مباشرة هذه المرّة، بعدما استخدمت إيران ورقة مضيق هرمز عاملاً ضاغطاً لدفع إسرائيل إلى وقف اعتداءاتها على لبنان، تحت عنوان: “إمّا وقف إطلاق نار على كلّ الجبهات وإمّا لا مفاوضات”.
لهذا وضعت الإدارة الأميركيّة ورقة التفاوض المباشر على الطاولة مقابل تخفيف إسرائيل من وتيرة عمليّاتها العسكريّة، بهدف سحب ذريعة تعطيل مفاوضات إسلام آباد من يد طهران. إذ يفترض أن تستضيف العاصمة الأميركيّة يوم الثلاثاء المقبل “اجتماعاً تحضيريّاً” على مستوى سفيرَي لبنان وإسرائيل والسفير الأميركيّ في بيروت، تمهيداً لانطلاق التفاوض المباشر على المستوى السياسيّ، الذي أعلنه رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتنياهو بشكل واضح.
تفيد المعلومات أنّ لبنان سيتمثّل بكلّ من السفير سيمون كرم والأكاديميّ بول سالم، على أن يكون ميشال عيسى ممثّلاً لبلاده. لكنّ هذا المسار لا يعني إعادة وصل لبنان بإيران، ذلك لأنّ المسؤولين الإسرائيليّين تقصّدوا التأكيد أنّ المفاوضات لن توقف الحرب.
إذاً بعد أكثر من خمسة أسابيع على اندلاع الحرب، جلست إيران إلى طاولة المفاوضات. وبقي بند لبنان خارجها. هذه المعادلة أكّدها إصرار إسرائيل على فصل المسار الإيرانيّ عن ذلك اللبناني، ومجاراة الإدارة الأميركيّة لها، فيما تتجاوز إيران المسألة لتتوجّه إلى إسلام آباد للمشاركة في مفاوضات ثنائيّة ومباشرة مع واشنطن، تاركة ورقة مضيق هرمز “بدلاً عن ضائع” من الأعمال القتاليّة.
وفق المعلومات، تحرّكت واشنطن خلال الساعات الأخيرة لإعادة جمع لبنان وإسرائيل إلى طاولة واحدة، مباشرة هذه المرّة، بعدما استخدمت إيران ورقة مضيق هرمز عاملاً ضاغطاً لدفع إسرائيل إلى وقف اعتداءاتها على لبنان
عاش اللبنانيّون ساعات صعبة وثقيلة ممزوجة بالدماء أمس الأول بينما كان الإيرانيّون يحتفلون بوقف إطلاق النار، حين تقصّدت إسرائيل توجيه رسالة إجراميّة عن نيّتها الاستمرار بالتصعيد في لبنان وفصل جبهته عن الجبهة الإيرانيّة، فيما كان المسؤولون اللبنانيّون يتخبّطون في حيرتهم ويبحثون في كومة قشّ التسريبات الآتية من الخارج عن جواب لسؤال مصيريّ: أين لبنان من اتّفاق الهدنة؟
لم ينتظر لبنان الرسميّ كثيراً قبل أن يأتيه الردّ عبر صواريخ مدمّرة اقتحمت شوارع العاصمة والضاحية الجنوبيّة والبقاع وصولاً حتّى صيدا والجبل، في محاولة لتكريس واقع ميدانيّ صعب جدّاً ومؤلم يزيد من حراجة الوضع وتعقيده، فتوقّف اتّفاق الهدنة على مشارف بيروت بفعل إصرار إسرائيل على مواصلة عدوانها الهمجيّ.
لم يشكّل الاعتداء الإسرائيليّ فعليّاً أيّ مفاجأة، انطلاقاً من إصرار بنيامين نتنياهو على استثمار فرصة وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض لإنهاء تنفيذ هدفه المتمثّل في نزع سلاح “الحزب”. لكنّ السؤال الأساسيّ كان يتمحور حول سلوك الإدارة الأميركيّة، واستطراداً حول موقف طهران: هل تضغط واشنطن على إسرائيل لإلزامها بوقف إطلاق نار شامل لا يستثني لبنان؟ الأهمّ من ذلك، ماذا عن إيران؟ هل تساند لبنان في رفض الجلوس إلى طاولة المفاوضات فيما لو بقيت جبهته خارج الاتّفاق؟
السّيناريوات المرجّحة
أمام هذا المشهد القاتم، برز أكثر من سيناريو:
- السيناريو الأوّل: أن تضطرّ واشنطن، تحت وطأة الخشية من انهيار كامل المفاوضات وفشل اتّفاقها مع إيران، إلى ممارسة ضغوط قصوى على تل أبيب لوقف “جموحها العسكريّ” في بيروت، وفرض صيغة مشابهة للقرار 1701 لكن بضمانات تنفيذيّة جديدة.
- السيناريو الثاني: أن يتمّ تحييد المواجهة المباشرة بين أميركا وإيران، مع ترك جبهة لبنان ساحة استنزاف مشتعلة. في هذا المسار، تستمرّ إسرائيل في عمليّاتها لمحاولة فرض واقع ميدانيّ جديد، بينما تكتفي الأطراف الدوليّة بمراقبة موازين القوى من دون تدخّل حاسم.
- السيناريو الثالث: إذا استمرّت إسرائيل في استهداف لبنان، فقد تجد إيران نفسها مضطرّة إلى نسف المفاوضات والعودة إلى مربّع التصعيد الشامل، على اعتبار أنّ التخلّي عن “درّة تاجها” في لبنان هو بداية لنهاية نفوذها الإقليميّ.
قبل ساعات من الكشف عن استعداد إسرائيل للانطلاق في مفاوضات مباشرة مع لبنان، كانت إيران تقف في منزلة بين منزلتين: من جهة، أكّدت مشاركتها في مفاوضات إسلام آباد، وهو ما يعني عدم تعليقها المسار الدبلوماسيّ، ربطاً بشرط وقف الاعتداءات على لبنان، ومن جهة ثانية تمسّكت بتهديدها بأنّها “لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ذبح المدنيّين في لبنان”، وأنّ “انتهاكات وقف إطلاق النار تترتّب عليها تكلفة واضحة وردود قويّة”.
في المقابل، قرّرت طهران استخدام ورقة مضيق هرمز للضغط على واشنطن والغرب للموازنة بين قرار عدم نسف المفاوضات وعدم التصعيد العسكريّ، فأعلنت السلطات الإيرانيّة عبر وسائل إعلامها الرسميّة (وكالة فارس وتسنيم) عن إغلاق مضيق هرمز أمام 99% من حركة السفن التجاريّة وناقلات النفط.
يقول متابعون إنّ الإدارة الأميركيّة شنّت حرباً، انتظرها الإسرائيليّون لعقود، بهدف تغيير النظام الإيرانيّ، أو أقلّه إضعافه
انقضاء المهلة الأولى
بهذا المعنى انقضت مهلة الـ48 ساعة التي تلت إعلان اتّفاق إسلام آباد، والتي كان البعض، وتحديداً من جانب مؤيّدي “الحزب”، يعوّل على أن تقوم واشنطن خلالها بتطويع إسرائيل وجلبها إلى سلّة التفاهم مع إيران، من دون أن تُكسر المشهديّة القتاليّة في لبنان: إسرائيل تواظب على استهدافاتها، فيما “الحزب” ردّ أكثر من مرّة “على خرق العدوّ لاتّفاق وقف إطلاق النار” واستهدف “مستوطنة المنارة بصلية صاروخيّة”… لتكون المفاجأة من خارج الصندوق: لبنان إلى مفاوضات منفصلة عن إيران.
مع ذلك، يسود الاعتقاد في أوساط القريبين من “الحزب” أنّ انقضاء هذه المهلة وتوجّه مسؤولين إيرانيّين إلى العاصمة الباكستانيّة لا يحجبان واقع أنّ لبنان ليس مغيّباً عن طاولة المفاوضات التي ستبدأ اليوم ويفترض أن يكون لبنان جزءاً منها، بتأكيد المسؤولين الإيرانيّين.
كلّ هذا يعني أنّ الأعمال العدائيّة التي تقوم بها إسرائيل في لبنان والتي مضى عليها أكثر من 40 يوماً مرشّحة للاستمرار. إذ أكّد نتنياهو أنّه ”لا يوجد وقف لإطلاق النار في لبنان وسنواصل ضرب “الحزب” بقوّة”.
يقول متابعون إنّ الإدارة الأميركيّة شنّت حرباً، انتظرها الإسرائيليّون لعقود، بهدف تغيير النظام الإيرانيّ، أو أقلّه إضعافه. لذا سيكون واهماً مَن يعتقد أنّ من الممكن التوصّل إلى اتّفاق شامل قد يخرج النظام الإيرانيّ من عزلته الدوليّة والماليّة من دون تطويق نفوذه الإقليميّ. هذا يعني أنّ لبنان، الذي غاب أو غُيّب في الساعات الأخيرة عن اتّفاق الهدنة، سيكون حكماً على طاولة إسلام آباد من باب دفع طهران للقبول بنزع سلاح “الحزب” إذا ما جرى ربط ملفّ لبنان بملفّ المنطقة، وإلّا فسيُترك للآلة الإسرائيليّة.
مجلس الوزراء
في الموازاة، التأم مجلس الوزراء أمس برئاسة رئيس الجمهوريّة جوزف عون، وكانت الاعتداءات الإسرائيليّة بنداً أساسيّاً على الطاولة، وسط كلام عن توجّه لإعلان بيروت مدينة منزوعة السلاح. إلّا أنّ المعنيّين يؤكّدون أنّ النقاش كان محصوراً بتعزيز انتشار القوى الأمنيّة في بيروت والعمل على ضبط السلاح المتفلّت، نافين حصول أيّ اشتباك بين رئيس الحكومة نوّاف سلام وبعض الوزراء، واقتصرت ملاحظات بعضهم على توقيت هذا الطرح لا مضمونه، لأنّه جاء في أعقاب الاعتداء الذي نفّذته إسرائيل في بيروت. قال سلام إنّ حكومته قرّرت المباشرة فوراً بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت، مع حصر السلاح بيد القوى الشرعيّة وحدها، وتشديد تطبيق القوانين وإحالة المخالفين إلى القضاء المختصّ.



