
كتب جوني فتوحي في هنا لبنان:
لم يكن مفاجئًا أن تنفّذ الدولة قرارها بالمفاوضات في ظل استقرار داخلي مصان، رغم محاولات التشويش. فمشهد التظاهرات أمام السراي الحكومي، على صخبه، بدا أقرب إلى عويل سياسي بلا ترجمة فعلية على الأرض، في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة تمضي بثبات في مسارها الجديد
بشجاعة استثنائية، كسب رئيس الجمهورية جوزاف عون رهان السير إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، محققًا فيها مجموعة كبيرة من الأهداف بخطوة واحدة، في لحظة إقليمية بالغة التعقيد. لم يكن القرار مغامرة سياسية بقدر ما كان تعبيرًا عن قراءة دقيقة لموازين القوى، واستثمارًا في لحظة تقاطع المصالح الدولية والإقليمية لإعادة تثبيت موقع لبنان لاعبًا لا ساحة.
ليس أسلوب رئيس الجمهورية إلا انعكاسًا لحنكة وحكمة وقدرة لافتة على تفكيك الألغام وبناء الطريق إلى السلام، وكل ذلك من أجل لبنان. فقد نجح في نقل البلاد من موقع المتلقي للضغوط إلى موقع المبادر، مستفيدًا من التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، ومن حاجة المجتمع الدولي إلى تهدئة الجبهات المفتوحة.
الهدف الأول كان استعادة القرار اللبناني المستقل. فلا تفاوض عن لبنان ولا باسمه بعد الآن. الدولة اللبنانية هي التي تفاوض، ولبنان لم يعد على الطاولة كمادة للتقاسم أو البازار، بل أصبح لاعبًا تحدد دولته مصلحته الوطنية، وترسم خطوطها الحمراء بنفسها.
أما الهدف الثاني، فتمثل في التقدم المطّرد نحو إرساء آلية لوقف الحرب، والانتقال إلى مفاوضات تفضي إلى انسحاب إسرائيلي وسحب السلاح من دائرة الاشتباك، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار الأمني، ويعيد الاعتبار لدور المؤسسات الشرعية في إدارة السيادة.
الهدف الثالث، وهو الأكثر حساسية، كان إفهام من يجب إفهامه أنّ اللعبة انتهت، وأن لا مكان بعد اليوم لاستمرار خطف لبنان أو استخدامه منصة لصراعات الآخرين. هذه الرسالة، وإن جاءت بهدوء، إلا أنها حملت في طياتها تحولًا جذريًا في قواعد الاشتباك السياسي الداخلي.
لم يكن مفاجئًا أن تنفذ الدولة قرارها بالمفاوضات في ظل استقرار داخلي مصان، رغم محاولات التشويش. فمشهد التظاهرات أمام السراي الحكومي، على صخبه، بدا أقرب إلى عويل سياسي بلا ترجمة فعلية على الأرض، في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة تمضي بثبات في مسارها الجديد.
في المحصلة، لم يكن ما تحقق مجرد خطوة تفاوضية، بل إعادة تعريف لدور لبنان وحدوده في معادلة الصراع والسلام. رهان محفوف بالمخاطر، نعم، لكنه هذه المرة ربحٌ محسوب، يفتح نافذة على مستقبل مختلف، إذا ما أُحسن البناء عليه.




