سلايدات

وقعُ الورقة المصرية في الجولة الثانية بين لبنان واسرائيل لصنع التسوية

كتب سعد شعنين:
بعد أن نجحت الجولة الأولى من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في تثبيت إطار الحوار وفتح قناة تفاوض مباشرة برعاية أميركية وغطاء دولي واسع، تتجه الأنظار إلى الجولة الثانية بوصفها الاختبار الفعلي لجدية هذا المسار وإمكان انتقاله من مرحلة الجسّ السياسي إلى البحث في الملفات الجوهرية.

فالجولة الأولى لم تُنتج اختراقاً حاسماً، لكنها كرّست أمراً بالغ الأهمية في تثبيت مبدأ التفاوض نفسه بوصفه خياراً يحظى بإجماع دولي وإقليمي غير مسبوق، مع دعم أميركي – أوروبي – عربي واضح لدفع هذا المسار قدماً باعتباره المدخل الوحيد لخفض التصعيد وإعادة رسم قواعد الاشتباك على الحدود الجنوبية، وقد أفضت الجولة التمهيدية إلى اتفاق على استكمال اللقاءات، بما يؤكد أن المسار لم يعد مجرد مبادرة ظرفية بل بات جزءاً من مقاربة دولية أوسع لإعادة ترتيب المشهد الأمني والسياسي في لبنان.
إلا أن الجولة الثانية لن تنطلق من فراغ، بل ستتأثر أيضاً بما بات يُعرف بـ”الورقة المصرية” التي دخلت على خط المساعي الإقليمية كإطار مكمّل للحراك الأميركي، وتحمل مقاربة تدريجية تقوم على تثبيت وقف النار، ووقف الضربات الإسرائيلية، وخلق مناخ يسمح ببحث الترتيبات الأمنية والسيادية ضمن مسار متدرّج لا صدامي. وتشير المعطيات إلى أن المبادرة المصرية ما زالت في مرحلة التشاور ولم تتحول بعد إلى تفاهم نهائي، لكنها تشكّل مظلة عربية داعمة لأي تسوية وتؤكد وجود إرادة إقليمية لاحتواء التصعيد وعدم ترك الملف حكراً على الضغوط العسكرية.
وعليه، يُتوقع أن تنتقل الجولة الثانية من العموميات السياسية إلى مناقشة أكثر تفصيلاً للملفات الخلافية، وفي مقدمها تثبيت وقف إطلاق النار، وآليات ضبط الحدود، ومستقبل النقاط البرية المتنازع عليها، والانسحاب من المناطق المختلف عليها أو المحتلة حديثاً، إضافة إلى البحث في ترتيبات أمنية عملية تتصل بتعزيز انتشار الجيش اللبناني جنوباً.
لكن حساسية هذه الجولة تكمن في أن الملفات المطروحة تمسّ مباشرة جوهر النزاع السياسي والأمني بين الطرفين. فلبنان يدخل المفاوضات انطلاقاً من أولوية تثبيت السيادة ووقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، فيما تسعى إسرائيل إلى ربط أي تقدم سياسي بمسألة الترتيبات الأمنية ونزع السلاح  الغير رسمي، وهو ما يجعل التقدم في هذا المسار رهناً بقدرة الوسطاء على تدوير الزوايا بين المقاربتين.
ومن غير المتوقع أن تُفضي الجولة الثانية إلى اتفاق نهائي أو اختراق شامل، بل يُرجّح أن تكرّس مبدأ التفاوض المتدرّج عبر خطوات مرحلية تبدأ بإجراءات بناء ثقة وتفاهمات ميدانية محدودة، على أن يُرحَّل البحث في الملفات الأكثر تعقيداً إلى مراحل لاحقة. فالمجتمع الدولي يبدو معنياً حالياً بمنع انهيار المسار أكثر من فرض تسوية فورية، إدراكاً منه أن أي اتفاق شامل يحتاج إلى وقت وتدرّج وتوازنات داخلية وإقليمية أكثر نضجاً.
وعليه، تبدو الجولة الثانية محطة مفصلية أكثر منها تقنية”فهي اختبار لقدرة الوسطاء على تحويل الإجماع الدولي إلى وقائع ميدانية، واختبار لجدية المبادرات الإقليمية وعلى رأسها الورقة المصرية، كما أنها اختبار داخلي لقدرة لبنان على إدارة مسار تفاوضي بالغ الحساسية من دون اهتزاز سياسي أو انقسام داخلي”.

لذلك أن ما يجري لم يعد مجرد تفاوض حدودي محدود، بل بداية مسار قد يعيد رسم قواعد الاشتباك في الجنوب ويؤسس لمرحلة سياسية وأمنية جديدة في لبنان، نجاحها مرهون بقدرة الأطراف كافة على الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق صناعة التسوية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى