سلايدات

بين سلاح المقاومة وطاولة التفاوض: لبنان على حافة اختلال جديد

كتب فؤاد الديراني في المدن:

يلاحظ سمير خلف أن الفترة التي سبقت استقلال لبنان، والممتدة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، شهدت ثلاثة اتجاهات فكرية حاول كلٌّ منها الإجابة عن سؤال الهوية اللبنانية ودور لبنان وموقعه: اتجاه يتمسّك بفرادة لبنان وميزاته الثقافية والدينية، داعيًا إلى النأي عن المحيط العربي تحسّبًا من تهديد سيادته؛ واتجاه عروبي دعا إلى ارتباطٍ وثيق بالعالم العربي باعتباره الامتداد الطبيعي للبنان؛ واتجاه توافقي سعى إلى الجمع بين تميّز لبنان الثقافي وانفتاحه على تراثه العربي والمتوسطي، وهو الاتجاه الذي ساد مع مرحلة الاستقلال، وساهم في ولادة “التوليفة الهوياتية” التي أنتجتها الصيغة اللبنانية، أي “هوية النفيين” القائمة على توازن دقيق: نفي الاندماج الكامل في المحيط العربي ونفي الارتهان للغرب. وهو التوازن الذي سيعود اليوم ليُختبر بين خياري المقاومة والتفاوض.

غير أن هذا التوازن لم يصمد طويلًا. فمن بين الأسباب المتعددة لاندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، تبرز مسألة اختلال هذا التوازن، أي ضعف الصيغة التوافقية، وعودة التناقضات التي حاولت التوفيق بينها. إذ تشكّل طرفا الحرب الأهلية من اتجاهين: اتجاه متحالف مع الفلسطينيين يطالب بالعدالة الاجتماعية وحماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة منذ عام 1949 كمدخل إلى السيادة الوطنية الفعلية؛ واتجاه  “لبنانويّ” يرى في أيّ مطلب تغييري تهديدًا لخصوصية لبنان الكيانية، ويُحيل التوترات الداخلية إلى “مؤامرة” خارجية تسعى إلى تسليم الحكم للمسلمين و”الغرباء“.

الطائف وإعادة تعريف الهوية

واستمر هذا البعد الهوياتي حاضراً طيلة فترة الحرب، ليعيد اللبنانيون تعريف هويتهم بعد خمسة عشر عامًا، عبر الصيغة التي أنتجها اتفاق الطائف: من لبنان العضو في الأسرة العربية والمتعاون إلى أقصى الحدود مع دولها، إلى لبنان وطن سيّد حر، مستقل، نهائي لجميع أبنائه، عربي الهوية والانتماء. ولم يفت اتفاق الطائف الإشارة إلى تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة، ونشر الجيش اللبناني على الحدود المعترف بها دوليًا، والتمسّك باتفاقية الهدنة الموقّعة في 23 آذار 1949.

من التحرير إلى التصعيد: محطات ما بعد الطائف

على مستوى بسط سلطة الدولة حتى الحدود الدولية، يمكن التوقف، من بين الأحداث الكبرى التي حصلت منذ اتفاق الطائف، عند ثلاث محطات: التحرير والجلاء القسري للجيش الإسرائيلي في أيار 2000، حرب تموز 2006، وحرب إسناد غزة في أكتوبر 2023، والحرب التي يعتبرها الحزب امتدادًا لحرب الإسناد، التي اندلعت في الثاني من آذار من هذا العام عقب العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران. وجميعها تؤكد غياب الدولة عن مهمة بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بواسطة قواها الذاتية.

لحظة الخطر الراهنة: تهديد يتجاوز الأرض إلى الكيان

وإذ لا تغيب مجريات ما حصل منذ توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية في أواخر تشرين الثاني 2024، والتي تظهر معها إسرائيل وكأنها تسعى إلى تصحيح قرار انسحابها في العام 2000، فإن ما يجدر التوقف عنده اليوم هو بلوغ الخطر الإسرائيلي مرحلة لا تقتصر على احتلال الأرض وتفجير المنازل ومحو ذاكرة القرى، بل تمسّ بالفعل نهائية لبنان ووحدته، وتنذر بإعادة العزف على وتر الانقسامات الداخلية. وفي عودة إلى البداية، يبرز اتجاهان: المقاومة والتفاوض المباشر.

خياران متقابلان: التفاوض أم المقاومة؟

في هذا السياق، يتبنى رئيسا الجمهورية والحكومة فكرة التفاوض المباشر وفق الورقة الأميركية التي طرحتها الولايات المتحدة، والتي تتحدث عن هدنة لا تشمل ما صار يُعرف بالخط الأصفر، تتخللها مفاوضات تفضي إلى اتفاق سلام، مع احتفاظ إسرائيل بحرية الحركة ضد أي خطر وشيك أو محتمل؛ ما يعني عمليًا بقاء الجنوب تحت ضغط دائم. في المقابل، يتبنى حزب الله خيار المقاومة، الذي استغرقت نسخته الأولى ثمانية عشر عامًا حتى استطاع لبنان فرض الجلاء القسري في العام 2000.

الدولة في مواجهة الداخل: تحوّل غير مسبوق

وبعيدًا عن حماسة المؤيدين لهذين الخيارين، يمكن تسجيل الملاحظات التالية: فللمرة الأولى منذ عهد الرئيس الأسبق أمين الجميل، تقف الحكومة اللبنانية في مواجهة جماعة لبنانية تقاتل في ظل العدوان الإسرائيلي. فقد جاء ذلك إثر إطلاق حزب الله صواريخ من جنوب لبنان في الثاني من آذار، حيث طلب مجلس الوزراء حظر نشاطاته وإلزامه تسليم سلاحه والالتزام بالعمل السياسي، بالتوازي مع مطالبته الدول الراعية بالعمل على العودة إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية ووقف الغارات.  (وكأن الغارات التي حصلت يومها هي الخرق الأول للاتفاق المذكور). 

مأزق التفاوض: غياب الشروط والرؤية

من جهة أخرى، ومع استمرار الحرب، بدا الخيار الدبلوماسي الذي يتبناه لبنان أقرب إلى الانحياز للطرف الذي أعلن الحرب الأخيرة على إيران، من دون أن تستند هذه الحرب إلى قرارات دولية أو إلى حالة دفاع عن النفس. وشكّل قرار طرد السفير الإيراني إحدى الدلالات على ذلك، كما عكس تأكيد المسؤولين أن لا أحد يفاوض باسم لبنان تمسكًا بالإطار الرسمي، في سياق يتقاطع مع المقاربة الأميركية. ومن المعروف أن “الصديق” ترامب ونتنياهو يعلنان بوضوح أهداف السيطرة على موارد المنطقة، وإعادة تشكيل خرائطها.

وفي المقابل، لم يبرز لدى من يتبنى خيار التفاوض أي وضوح في الشروط المسبقة، إذ إنه، بعيدًا عن العموميات التي ترد عن تحرير آخر ذرة من التراب اللبناني، وإعمار البيوت، وعودة الأسرى، تغيب المطالب الأساسية، كوقف أعمال التفجير وانسحاب قوات الاحتلال، كما تغيب الملفات التي يفترض أن يحملها لبنان إلى طاولة التفاوض أو إلى المحافل الجنائية الدولية مثل التعويض عن الأضرار والعدوان على الأماكن الأثرية وقتل الصحفيين والطواقم الطبية، وقصف المستشفيات وتفجير المؤسسات التربوية وكل ما يشكل انتهاكًا للقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني.

مأزق المقاومة: الحاجة إلى مراجعة ومصارحة

أما خيار المقاومة، فعلى الرغم من مشروعيته وارتباطه بحق الشعوب في المواجهة، وعلى الرغم من المواجهة الشرسة والأسطورية التي خاضها المقاومون في الخيام وبنت جبيل والطيبة وقبلها في عيتا الشعب وغيرها، فإن ذلك لا يلغي الحاجة إلى المراجعة. فمنذ تموز 2006، لم نشهد لدى الحزب مصارحة شاملة للبلد أو لجمهوره. والمطلوب هنا يتجاوز الشأن الداخلي، كما يتجاوز تصوير القضية وكأنها شؤون أفراد يكفي أن تجري داخل الجدران ويكفي معها إجراء تحقيق داخلي وإعادة توزيع للأدوار والمسؤوليات، ليطال أسئلة أعمق، منها: كيف تحولت الطائفة الشيعية، في نظر مكونات لبنانية أخرى، إلى مصدر ريبة؟ 

وفي هذا السياق، يمتد هذا السؤال ليشمل أدوار الحزب في الحرب السورية، وأحداث السابع من أيار، وجولات التصعيد المتكررة، ومحطات فرض الوقائع السياسية بقوة الوزن الأهلي. كما يفرض ذلك إعادة النظر في انعكاسات عقيدة الثورة الإسلامية على الواقع اللبناني، وما آلت إليه عقيدة الثورة الإسلامية في منشأ الثورة نفسها.

كذلك، تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق التعبئة الدائمة وعقيدة انتصار الدم على السيف، التي يُضطر معها الناس تكرارًا إلى ترك قراهم بين براثن آلة الحرب الإسرائيلية، إلى منطق الاستقرار، والاعتراف بأن هذه الطائفة قدّمت تضحيات كبيرة، وأدت قسطها للعُلى ولم يعد مطلوبًا منها الدفاع عن المستضعفين في كل أرجاء الأرض، وأن الوقت حان لتمكين الناس من العودة إلى قراهم وإعمارها، واستئناف حياتهم الطبيعية. كما يصبح من حق اللبنانيين معرفة الأهداف السياسية التي، إذا تحققت، تنتفي معها الحاجة إلى استمرار السلاح، تأكيدًا على أن الحروب لا يمكن أن تستمر إلى الأبد.

بين خيارين ناقصين: أي طريق إلى الأمان؟

أخيرًا، مأزقان لا ينتجان حلاً. وفي ظل هدنة هشّة يلفّها الغموض، فإن دبلوماسية بلا أوراق قوة، أو مقاومة بلا أهداف سياسية، لا يمكن أن توصلا البلد إلى شاطئ أمان. وعليه، يبقى على لبنان أن يحسن تموضعه وسط هذا المشهد المتقلب، وألا يضع رهاناته في سلة واحدة، لأن اختلال التوازن بين هذين المسارين قد يعيد فتح الباب أمام أزمات الهوية التي دفع اللبنانيون أثمانها سابقًا. والأهم أن يثبت لبنان أنه تعلم من تجاربه بأن الحوار القائم على الأخذ بهواجس الجميع يوصل بنا للحلول، وأن الاستقواء بالاصطفافات الأهلية يُشرع الأبواب أمام شتى أنواع الخارج. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى