
كتبت زينب زعيتر في المدن:
يتقدّم ملف الغطاء العربي كعنصر أساسي في تحديد خيارات لبنان، في ظل تصاعد النقاش حول مسار التفاوض مع إسرائيل. رئيس الجمهورية جوزاف عون قالها أمس: “أنا أخترت التفاوض” لإنقاذ البلد، على الرغم من افتقار لبنان لتوافق محلي واستراتيجية واضحة للتفاوض من جهة، وغياب الإجماع العربي حول التفاوض، ربطاً بموقف الدول العربية المنبثق من “مبادرة السلام العربية” الذي أعلن من بيروت في العام 2002، والبيانات الختامية لأخر ثلاث قمم عربية عُقدت في البحرين والقاهرة وبغداد، من جهة ثانية. وبين الحاجة الملحة إلى وقف إطلاق النار وتجنيب لبنان المزيد من الدماء والتهجير، والحاجة إلى تفادي الانزلاق إلى تسويات غير متكافئة على طاولة تفاهم يبدو فيها لبنان الحلقة الأضعف أمام أميركا وإسرائيل، يبرز التساؤل حول ما إذا كان لبنان قادراً على التحرّك منفرداً، أو أنّه لا يزال بحاجة إلى مظلّة عربية سياسية تواكب أي مسار تفاوضي.
يؤكد مصدر سياسي مطلع لـ”المدن” أن كلاً من السعودية ومصر نصحتا رئيس الجمهورية بـِ “التروي” في مسار التفاوض، أي التقدّم بحذر ومن دون استعجال، مع ضرورة كسب الوقت والتحصّن داخلياً عبر الحوار، إلى جانب السعي للحصول على دعم عربي أوسع.
الاستفراد بلبنان
فتاريخياً كان لبنان يلتزم عدم الذهاب إلى مفاوضات مع إسرائيل قبل وجود توجّه عربي جامع. إلا أنّ الظروف الحالية، في ظل الحرب والتبدلات الإقليمية، تطرح احتمال تغيّر هذا النهج، مع حديث عن إمكان الذهاب إلى التفاوض تحت عنوان إنقاذ لبنان، وأن الهدف من أي تحرك هو وقف إطلاق النار. في حين تتجه كل من أميركا وإسرائيل نحو مفاوضات تؤسس لمرحلة تطبيع، وهو ما يعكس التباين في الأهداف، بين من يريد نهاية للحرب ومن يريد توقيع اتفاقية إبراهيمية جديدة.
وفي الكواليس، تفيد معلومات بأنّ مصر نصحت لبنان بعدم الذهاب منفرداً، بل ضمن صيغة أوسع، فيما طُرح أيضاً احتمال تحرّك على مستوى جامعة الدول العربية لتأمين دعم سياسي. وتزداد المخاوف من احتمال أن يتعرّض لبنان للاستفراد في حال ذهب وحيداً إلى التفاوض، سواء من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل، في ظل غياب غطاء عربي وجدول أعمال واضح ضمن تسوية محدّدة. وتتعزّز هذه الهواجس بعد ما جرى في أول اجتماع على مستوى السفراء في الولايات المتحدة، بحضور السفيرة اللبنانية والسفير الإسرائيلي، حيث صدر بيان عن وزارة الخارجية الأميركية منح إسرائيل الحقّ في الدفاع عن نفسها، ما يطرح أسئلة حول الضمانات بعدم تكرار مواقف أحادية مماثلة، وتحميلها للبنان، الذي يبدو في موقع ضعيف، حيث يفتقر إلى أوراق قوة تمكّنه من مواجهة الضغوط من جهة، ومواجهة خصم متفوق عسكرياً وسياسياً من جهة ثانية، ما يجعله عرضة لاحتمال فرض إملاءات من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، في حال لم يستند إلى إطار تفاوضي متوازن.
وعليه، وعلى الرغم من أنّ التفاوض بات ضرورة لوقف الاعتداءات واستعادة الأراضي، إلا أنّ الأصوات المحذرة تفيد بأنّ التسرّع أو القبول بشروط غير متكافئة يبقى خطراً قائماً، ما يجعل من التوقيت وشكل التفاوض وهوية الداعمين عوامل حاسمة. وهنا يُعاد طرح الحديث عن الغطاء العربي، كرافعة لإعادة التوازن إلى طاولة المفاوضات، بما يمنح لبنان ثقلاً تفاوضياً ويحدّ من احتمالات استفراده.
فلبنان، الذي لطالما تأثّر بمحيطه العربي، يجد نفسه اليوم أمام مشهد عربي غير موحّد بالكامل، ما يضعف قدرته على الاستناد إلى موقف جماعي صلب كما في محطات سابقة. وفي الوقت نفسه، تتقدّم أولويات دولية مختلفة، حيث يبدو أن الولايات المتحدة تدفع نحو مقاربات تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار، باتجاه ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد، قد لا تتقاطع بالضرورة مع المصلحة اللبنانية.
وهذا الواقع يفرض على لبنان اعتماد مقاربة أكثر حذراً ومرونة في آن، تقوم على قراءة دقيقة للتوازنات، خصوصاً على مستوى المكون الشيعي، في ظل الرفض المطلق للتفاوض المباشر مع إسرائيل، وفي غياب أي شخصية شيعية ستكون ضمن الوفد الذي سيشارك في التفاوض برئاسة السفير السابق سيمون كرم.
شرعية للاحتلال الإسرائيلي
ويعتبر المصدر السياسي المطلع أنّ ذهاب لبنان إلى التفاوض أمر طبيعي في ظل الظروف الراهنة، إلا أنّ اللقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أو مجرد التواصل معه يمنح شرعية للاحتلال الإسرائيلي، ما يعني أن أي تواصل لبناني مباشر مع نتنياهو يُعد خرقاً للإجماع العربي. أمّا المطلوب من رئيس الجمهورية اللبنانية، على حد تعبيره، قبل أي غطاء عربي، هو تأمين إجماع داخلي، من خلال فتح حوار مع حزب الله حول هذا الملف، مستذكراً في هذا السياق اتفاق 17 ايار عام 1983 الذي سقط في العام 1984، كدليل على خطورة الذهاب إلى خيارات غير محصّنة داخلياً. واعتبر أنّ التفاوض مع نتنياهو غير مقبول، وأن أي خطوة غير مدروسة قد تعني عملياً تقديم أوراق القوة اللبنانية، والتنازل لمصلحة إسرائيل. وفي ما يتعلّق بإمكان اللجوء إلى جامعة الدول العربية، أشار إلى أنّ الأولوية ليست هناك، بل في ترتيب البيت الداخلي، مؤكداً أنّ أي تحرّك خارجي من دون هذا التحصين قد يضع لبنان أمام تحديات إضافية، قائلاً إنّ من لا يعالج وضعه الداخلي “يكون كمن يشتري مشكلة في الداخل”.
في المحصّلة، يقف لبنان أمام مفترق دقيق بين ضرورات الواقع وضغوط السياسة، حيث لا يكفي إعلان النية بالتفاوض بقدر ما تفرض المرحلة مقاربة متكاملة تجمع بين التحصين الداخلي وتأمين الغطاء العربي. فالتجارب السابقة تُظهر أن أي مسار تفاوضي لا يستند إلى إجماع وطني ودعم إقليمي سرعان ما يتحوّل إلى عبء بدلاً من أن يكون مخرجاً. وبين إلحاح وقف الحرب وخطر الانزلاق إلى تسويات غير متكافئة، يبقى الرهان على قدرة لبنان على إدارة هذا التوازن الدقيق، بحيث لا يتحوّل التفاوض من أداة حماية إلى مدخل لفرض وقائع سياسية جديدة عليه.




