
كتبت غادة حلاوي في المدن:
شهدت الساعات الأخيرة تصعيدًا إسرائيليًا ملحوظًا، تمثّل في خروقات متكرّرة للهدنة واستهداف مباشر للمدنيين، بمن فيهم صحافيون. هذا الواقع يطرح تساؤلات جدّية حول جدوى الاستمرار في المسار التفاوضي في ظل غياب الحدّ الأدنى من الالتزام المتبادل، ويفتح نقاشًا حول ما إذا كان من الأجدى ربط أي عودة إلى طاولة المفاوضات بشروط واضحة، أبرزها وقف الانتهاكات. فالقتل المتعمد للصحافية الزميلة أمال خليل بنيران جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال فترة هدنة وعلى الأراضي اللبنانية، حادثة أثارت تساؤلات قانونية وسياسية تتجاوز بعدها الإنساني المباشر. فإلى جانب الاستهداف، برزت إشكالية إضافية تمثّلت في عرقلة وصول فرق الإسعاف، وتأجيل عمليات البحث والإنقاذ، وهذا ما يعكس نمطًا من التعاطي الميداني الذي يضعف أي ثقة بإمكان تثبيت قواعد اشتباك واضحة خلال وقف إطلاق النار.
في هذا السياق، يصبح النقاش حول جدوى الاستمرار في المفاوضات أكثر تعقيدًا. فمن جهة، تواصل إسرائيل خروقاتها الميدانية واستهدافاتها، ومن جهة أخرى، تتمسّك الدولة اللبنانية بالمسار التفاوضي، ما يوحي بوجود ضغوط خارجية تدفع نحو إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، حتى في ظل غياب التزام متبادل بشروط التهدئة.
هذا التناقض يطرح سؤالًا أساسيًا: هل يشكّل الانخراط في التفاوض تحت النار خيارًا واقعيًا لتفادي تصعيد أوسع، أم أنه يضعف موقع لبنان التفاوضي عبر القبول بشروط غير متكافئة؟ لا سيما أن البديل؛ أي تعليق المشاركة، قد يُستخدم ذريعة لتوسيع العمليات العسكرية الإسرائيلية لتطال بنىً تحتية حيوية كالمطار والمرفأ.
المعطيات المرتبطة بجولات التفاوض تعزّز منسوب الغموض. فالتغييرات في مكان انعقاد الاجتماعات، والحديث عن مشاركة دولية رفيعة المستوى، إضافة إلى توقيت الجلسات بعيدًا عن الإعلام، جميعها مؤشرات على مسار تفاوضي يجري تسريعه ضمن ظروف غير تقليدية. كما أن احتمال توسيع إطار التواصل ليشمل مستويات سياسية أعلى يظل عنصر قلق، بالرغم من تأكيدات رسمية لبنانية برفض أي تواصل مباشر قبل تحقيق شروط محددة، أبرزها وقف العدوان وتحرير الأراضي والأسرى.
داخليًا، تبدو الساحة اللبنانية منقسمة حيال هذا المسار. فغياب التوافق بين الرئاسات، وفتور العلاقة مع القوى الأساسية على الأرض، وفي مقدّمها حزب الله، ينعكس مباشرة على القدرة التفاوضية. إذ إن أي تفاوض فعّال يفترض وضوحًا في تحديد الأوراق المتاحة، وهو ما لا يبدو متوفرًا حاليًا.
في هذا الإطار، تبرز إشكالية جوهرية تتعلّق بطبيعة هذه الأوراق. فبينما يشير تقييم ميداني إلى استمرار قدرة حزب الله على الصمود والمواجهة، لا تظهر هذه المعطيات كجزء من استراتيجية التفاوض الرسمية. بل على العكس، اتخذت الحكومة سلسلة قرارات مرتبطة بالسلاح، بعضها ذو طابع سياسي أكثر منه أمني، وهذا ما أثار مخاوف من تداعيات داخلية محتملة في حال محاولة تطبيقها من دون توافق واسع.
إلى جانب ذلك، لا تزال صورة الوفد المفاوض غير مكتملة، سواء من حيث التشكيلة أو الصلاحيات، مع حديث عن دور محوري لشخصيات دبلوماسية سابقة، في مقابل عدم حسم مشاركة المؤسسة العسكرية بشكل واضح، رغم استعدادها التقني والعملي.
أما العامل الدولي، فيبقى حاضرًا بقوة، خصوصًا من خلال الدور الأميركي. إلا أن هذا الدور، رغم قدرته على فرض إيقاع معين على مسار التفاوض، لا يضمن بالضرورة نتائج متوازنة، في ظل تباينات داخل الإدارة الأميركية نفسها، وتشابك الحسابات الإقليمية، ولا سيما ارتباط بعض الملفات بمسارات تفاوضية أوسع، مثل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران.
في المحصّلة، تجري المفاوضات في بيئة معقّدة تتداخل فيها الضغوط الخارجية مع الانقسامات الداخلية، في ظل استمرار العمليات العسكرية. وبينما تسعى الدولة إلى تجنّب تصعيد شامل، يظل غياب رؤية تفاوضية موحّدة، وعدم استثمار عناصر القوة المتاحة، عاملين يحدّان من فرص تحقيق نتائج ملموسة. وفي ظل هذه المعطيات، تبقى احتمالات التصعيد، سواء على المستوى الخارجي أو الداخلي، قائمة، ما يجعل إدارة هذه المرحلة اختبارًا دقيقًا لقدرة الدولة على الموازنة بين الضغوط والخيارات.




