
كتبت ملاك عقيل في أساس ميديا:
دفعت العديد من التطوّرات المشهد اللبنانيّ إلى الواجهة، وصولاً إلى “اقتحامه” المكتب البيضاويّ، بالتزامن مع لحظة الدخول السعوديّ بقوّة إلى عمق الساحة الرئاسيّة والسياسيّة، وإعادة ربط المسارات بين بيروت وإسلام آباد، وهي معطى بديهيّ لترابط الملفّات التي على رأسها مصير “سلاح الحزب”.
يقول مصدر سياسيّ بارز لـ “أساس”: “صراحة، كنّا نلمس حالة لاتوازن، أو انعدام جاذبيّة، خلال الفترة التي سبقت وتلت انطلاق اجتماعات لبنان وإسرائيل في واشنطن المُمَهّدة للمفاوضات المباشرة، وفي ظلّ تصارع العملاقين في إسلام آباد. لكنّ الدخول السعوديّ أرسى نوعاً من التوازن، في مقابل الجهود المصريّة، والمفترض أن ينعكسا استعادةً للحدّ الأدنى من الاستقرار الداخليّ، وتفعيل التنسيق الرئاسيّ الثلاثيّ الذي أحد أوجهه توحيد الموقف من المفاوضات، ودعم الحكومة ورئيسها، في مقابل توفير دعم للرئيس نبيه برّي تُرجِم من خلال اتّصال وزير الخارجيّة السعوديّ فيصل بن فرحان ببرّي قبل وصول الأمير يزيد بن فرحان إلى عين التينة”.
يختصر المصدر المشهد بالقول: “يتصرّف الجانب السعوديّ بواقعيّة شديدة قائمة على أساس أنّه ينظر إلى الملفّ اللبنانيّ من ضمن المسار الأميركيّ-الإيرانيّ، وليس خارجه، وتجنّب استفراد لبنان أميركيّاً وإسرائيليّاً”.
دفعت العديد من التطوّرات المشهد اللبنانيّ إلى الواجهة، وصولاً إلى “اقتحامه” المكتب البيضاويّ، بالتزامن مع لحظة الدخول السعوديّ بقوّة إلى عمق الساحة الرئاسيّة والسياسيّة
في المقابل، تؤكّد معطيات “أساس” أنّ زيارة الأمير يزيد بن فرحان لم تأتِ ضمن سياق مُستجدّ ومفاجئ، فخلال الأسابيع التي شهدت توتّرات سياسيّة بلغت مداها الأقصى أمام السراي الحكوميّ، ومع التهديد باقتحام السراي، أجرى الأمير يزيد بن فرحان اتّصالات مباشرة بالرئيس برّي لتهدئة الأمور، وتكلّل الأمر بالبيان الصادر عن ثنائيّ حركة أمل و”الحزب” الذي دعا إلى عدم التظاهر مجدّداً. ثمّ استكمل المسار من خلال زيارة النائب علي حسن خليل إلى المملكة العربية السعودية ، ثمّ مستشار رئيس الجمهوريّة العميد أندريه رحّال إلى القاهرة، حيث اجتمع كلّ منهما بالأمير يزيد قبل مجيئه إلى بيروت.
أمّا استحضار “الطائف” في الوقت الراهن فتقول المعلومات إنّه مرتبط أيضاً بتطمين الطرف الشيعيّ، وإنهّ في لحظة سحب السلاح ستكون الضمانات موجودة، ومن ضمنها “الطائف” المفترض أن يُستكمل تطبيق كلّ بنوده، والرئيس برّي هو أحد المنادين الدائمين بذلك، وخصوصاً حين يحضر الخلاف على قانون الانتخاب.
السّعوديّ بدّو يهدّي الجوّ
“السعوديّ بدّو يهدّي الجوّ”. هكذا يختصر المصدر السياسيّ حراك الرياض الأخير، وجلسة مجلس الوزراء الأخيرة شاهدة على ذلك.
تتقاطع المعطيات الوزاريّة عند تأكيد أنّ الاحتقان السياسيّ الشديد الذي شهدته الأيّام الماضية لم يتسرّب إلى داخل قاعة مجلس الوزراء في قصر بعبدا يوم الخميس.
اكتفى الرئيس نوّاف سلام في هذه الجلسة، على غير عادته في الجلسات حيث يتحدّث بلهجة عالية السقف، بوضع رئيس الجمهوريّة والوزراء في أجواء لقائه مع الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون، ومشاركته في اجتماع وزراء خارجيّة الاتّحاد الأوروبيّ في لوكسمبورغ، وأهمّ محاور كلمته التي ألقاها في المناسبة، من دون التطرّق إلى موضوع السلاح و”الحزب”.
قبل ذلك، كان سلام قد أدلى بتصريحات إلى صحيفة “واشنطن بوست” في باريس أكّد خلالها أنّ “لبنان لا يمكنه توقيع أيّ اتّفاق لا يتضمّن انسحاباً كاملاً للقوّات الإسرائيليّة، ولا يمكننا القبول بالمنطقة العازلة، وبأيّ وجود إسرائيليّ لا يُسمح فيه للنازحين بالعودة، وإعادة إعمار البلدات المدمّرة”. إلى ذلك “غطّ” أمس في عين التينة للقاء الرئيس برّي.
29 دقيقة بين عون وترامب
حين كان رئيس الجمهوريّة يُطلع الوزراء على آخر المعلومات عن الاجتماعات التمهيديّة في واشنطن، والمُتوقّع من المفاوضات المباشرة، كان القصر الجمهوريّ قد أُعلِمَ مسبقاً بنقل الاجتماع التحضيريّ الثاني من مقرّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة، ولمرّة واحدة، إلى البيت الأبيض، ليحصل برعاية شخصيّة من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب.
عُدّ هذا القرار، بنظر رئيسَي الجمهوريّة والحكومة، قفزة كبيرة في سياق دفع التفاوض إلى الأمام، وتوفير الرعاية الأميركيّة المباشرة للملفّ اللبنانيّ، وهو ما مهّد له عون بالقول أمام الوزراء: “للمرّة الأولى الملفّ اللبنانيّ على الطاولة الأميركيّة”.
تؤكّد معطيات “أساس” أنّ زيارة الأمير يزيد بن فرحان لم تأتِ ضمن سياق مُستجدّ ومفاجئ، فخلال الأسابيع التي شهدت توتّرات سياسيّة بلغت مداها الأقصى أمام السراي الحكوميّ
في جلسة بعبدا أصرّ رئيس الجمهوريّة على أنّ “التفاوض المباشر هو الخيار الوحيد، سنستمرّ به ونطالب بالانسحاب الإسرائيليّ، ولدينا ما يكفي من الدعم الدوليّ”، وهو الردّ الذي كرّره عون حين توجّه إليه وزير الصحّة ركان ناصر الدين قائلاً: “لماذا نعطي العدوّ ما لم يأخذه في الميدان؟”، مع تسليم عون بأنّه “لا يمكن ائتمان إسرائيل”.
أضاف رئيس الجمهوريّة متوجّهاً لناصر الدين: “أنت تعلم يا ركان حين كنّا نفاوض في ملفّ الترسيم البحريّ كنّا نجلس وجهاً لوجه مع الإسرائيليّ، وبيننا وسيط ينقل الكلام، هذا أمر عاديّ وتقنيّ لا يؤثّر على جوهر ما نريده من هذه المفاوضات، ولن نوقّع أيّ اتّفاق من دون تحقيق مطالبنا”.
في السياق نفسه، تفيد المعلومات بأنّ برّي سبق أن اتّفق مع عون في شأن الوفد المفاوض، قائلاً له: “لا تسألني. شكّل وفد التفاوض، وروحوا فاوضوا. إذا نجحت في تحقيق مطالب لبنان أنا معك، وإذا فشلت أنا برّا”.
في الجلسة نفسها أحاط الرئيس عون الوزراء بمضمون محادثاته مع وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، وبرفضه التواصل الهاتفيّ المباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، ثمّ مكالمة الـ 29 دقيقة مع ترامب، ومصارحته بالقول: “من غير الوارد في المرحلة الراهنة الالتقاء برئيس الوزراء الإسرائيليّ في البيت الأبيض”.
ترامب: سأجمع عون ونتنياهو
بعد انتهاء جلسة الحكومة، فوجئ الوزراء بنقل الاجتماع بين سفيرَي لبنان وإسرائيل من مقرّ الخارجيّة الأميركيّة إلى البيت الأبيض. ثمّ تابعت السلطة ليل أوّل من أمس إعلان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، الذي استضاف المجتمعين في مكتبه بالبيت الأبيض، تمديد وقف إطلاق النار لثلاثة أسابيع، مع الرهان على تنظيم لقاء بين الرئيس عون ونتنياهو “خلال هذه الفترة”، فيما بشّر وزير الخارجيّة الأميركيّ بإمكانيّة الوصول “خلال أسابيع قليلة إلى سلام دائم يستحقّه لبنان وإسرائيل”.
حضر الاجتماع في البيت الأبيض سفيرا لبنان وإسرائيل ندى معوّض ويحئيل ليتر، ونائب الرئيس الأميركيّ جي دي فانس، والوزير روبيو، وسفيرا الولايات المتّحدة لدى إسرائيل مايك هاكابي، ولدى لبنان ميشال عيسى. فيما كتب ترامب على منصّته “تروث سوشيل”: “الاجتماع سار بشكل جيّد. ستعمل الولايات المتّحدة مع لبنان على حماية نفسه من الحزب”، مؤكّداً أمام الصحافيّين “سعيه إلى تعديل القانون اللبنانيّ لجهة حظر التواصل بين لبنان وإسرائيل”.
في المقابل، أصدرت الخارجيّة الأميركيّة أمس بياناً أكّدت فيه “تطلّع الرئيس ترامب في المستقبل القريب إلى استضافة نتنياهو وعون. وقد كان شرفاً عظيماً للرئيس ترامب أن يُشارك في هذا الاجتماع التاريخيّ”.
فعليّاً، واجهت إسرائيل المطالب اللبنانيّة في اجتماع البيت الأبيض بـ”وقف الخروقات الإسرائيليّة، وخصوصاً نسف القرى وجرفها في جنوب لبنان وعدم قتل الصحافيّين”، بارتكاب مزيد من الجرائم باستهداف مدنيّين، ونسف منازل، والقيام بعمليّات عسكريّة داخل الخطّ الأصفر.
بالتالي، هو تمديد لمهلة، ولا ضمانات أميركيّة للبنان إطلاقاً في المدى العسكريّ والتدميريّ الذي يُمكن أن تذهب إليه إسرائيل في “تطبيقها” لتمديد وقف إطلاق النار.




