
كتب بشارة خيرالله لـ”هنا لبنان”:
من أكبر الأكاذيب السياسية التي زُرعت في الوعي اللبناني، وأُعيد تكرارها لعقود، هي تسمية ما جرى في 17 أيار 1983 بـ”اتفاق 17 أيار”، وكأنّ المسألة مجرّد “اتفاق مشبوه” أو “وصمة” يجب شطبها من الذاكرة الوطنية.
والحقيقة مختلفة تمامًا، فما سُمّي زوراً “اتفاق 17 أيار” كان، في جوهره السياسي والعملي، أول اتفاق لجلاء الجيش الإسرائيلي من لبنان.
هذه هي الحقيقة التي تعمّد كثيرون دفنها.
لم يكن الاتفاق احتفالًا بإسرائيل، ولا تنازلًا عن لبنان، ولا بيعًا للسيادة كما صوّرت آلة الوصاية السورية وأبواقها لاحقًا. بل كان محاولة واضحة ومباشرة لانتزاع انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وإعادة تثبيت سلطة الدولة اللبنانية على أرضها، بعد الاجتياح والحرب والفوضى.
لكن لماذا لم يُسمَّ باسمه الحقيقي؟
لماذا لم يُقدَّم للبنانيين على أنه اتفاق جلاء الجيش الإسرائيلي؟
الجواب بسيط وصادم، لأنّ النظام السوري يومها، بقيادة حافظ الأسد وذراعه السياسية عبد الحليم خدام، لم يكن يريد للبنان أن يستعيد قراره الحر، ولا أن يخرج من الحرب كدولة مستقلة تستعيد سيادتها وحدودها.
السوريون لم تكن لديهم الجرأة السياسية ولا الشجاعة الاستراتيجية ليقولوا علنًا إنّ هناك اتفاقًا يُخرج الجيش الإسرائيلي من لبنان. كانوا أسرى عقدة القوة الإسرائيلية، ويخشون المواجهة المباشرة معها، فيما كانوا أجرأ ما يكونون فقط على لبنان.
ولهذا جرى اختراع التسمية التضليلية “اتفاق 17 أيار”.
تسمية بلا مضمون، بلا تعريف، بلا توصيف سياسي واضح.
أُعطي الاتفاق الأمني السياسي “باركودًا” رقميًا بدل اسمه الحقيقي، حتى تُمحى الحقيقة الكبرى، أنه كان اتفاق انسحاب، لا اتفاق خضوع.
لقد أراد نظام آل الأسد أن يقتل الفكرة قبل النص، وأن يدفن المعنى قبل أن يقرأ الناس البنود.
فإذا صار اسمه مجرد “17 أيار”، سهلت شيطنته، وسهل تحويله إلى تهمة، وسهلت تعبئة الشارع ضده، بدل أن يُسأل السؤال البديهي، “هل كان لبنان يريد بقاء الجيش الإسرائيلي على أرضه؟ أم كان يريد جلاءه”؟
بين الحقيقة والدعاية، انتصرت الدعاية لسنوات.
أما اليوم، فقد آن الأوان لاستعادة المعنى، ما سُمّي “اتفاق 17 أيار” لم يكن عارًا وطنيًا أو عيبًا ارتكبته السلطة السياسية بقيادة الرئيس أمين الجميل، بل كان محاولة لبنانية مبكرة لاستعادة الأرض عبر اتفاق جلاء.
وإذا كانت هناك جريمة حقيقية، فهي ليست في الاتفاق، بل في تزوير إسمه، وتشويه هدفه، وخنق أي فرصة لقيام دولة لبنانية سيدة حرة مستقلة.
وما يجري اليوم يعيدنا بالذاكرة إلى تلك الحقبة، في محاولة يائسة لتشويه سمعة الدولة لصالح الدويلة التي استجلبت الحرب واستدرجت الاحتلال وهدمت البيوت وهجرت السكان، فيما العودة بعد الانسحاب باتت مرتبطة باتفاق جديد يبدأ من ما سُمي ذات يوم، اتفاق “17 أيار”.. وكيف ننسى عبارة الرئيس أمين الجميل الشهيرة: “أعطونا السلام وخذوا منا ما يُدهِش العالم”..

