سلايدات

لبنان ـ إسرائيل: التفاوض المباشر هو القاعدة لا الاستثناء

كتب نقولا ناصيف في أساس ميديا:

واقع الدولة اللبنانيّة لا تُحسد عليه، بل يصعب عليها إيجاد مخرج له. تريد وقف نار حرب لم ترِدها في الأصل والذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل لا تقودها إلى اتّفاق سلام، وفي الوقت نفسه هي أسيرة استمرار كلّ من إسرائيل بغطاء أميركيّ و”الحزب” بغطاء إيرانيّ في الحرب.

 

بعد انقسام داخليّ على سلاح “الحزب”، ومن بعده انقسام على تورّطه في الحرب مع إسرائيل، بلغ الانقسام عتبته الثالثة الأكثر حدّة، وهي التفاوض المباشر مع الدولة العبريّة، بين مؤيّد له ومعارض. رأس حربة الفريق الأوّل رئيسا الجمهوريّة والحكومة، ورأس حربة الفريق الثاني “الحزب” وحلفاؤه قبل أن يصبح رئيس البرلمان في الأيّام الأخيرة في صدارة المواجهة.

أنهى سجال الأربعاء بين الرئيسين جوزف عون ونبيه برّي لغطاً استمرّ أسابيع عن الودّ الذي طبع علاقتهما منذ مطلع الولاية، وأفصح عن تباين عميق تجنّبا حتّى هذا الوقت تبيانه، وهو الموقف من المشكلة المستجدّة. ربّما عبارة “غير دقيق إن لم نقُل غير ذلك” في البيان الصادر عن رئيس البرلمان تعليقاً على ما أدلى به رئيس الجمهوريّة أمام وفد الهيئات الاقتصاديّة تفصح للمرّة الأولى عن فجوة عميقة بينهما ترتبط بالموقف من انخراط “الحزب” في الحرب مع إسرائيل، لكن أيضاً بما هو أبعد ويتّصل بتضامن السلطات وبالخيارات السياسيّة.

بيان غير معلن

دار اشتباك الرئيسين حول محتوى بيانَيْ وقف النار المعلنين في 27 تشرين الثاني 2024 و23 نيسان 2026. بيد أنّ المشكلة الفعليّة كمنت في بيان ثالث لم يكن لبنان على علم به عندما كشفت عنه إسرائيل، بالتزامن مع صدور وقف النار الأوّل عام 2024، إبّان حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. سرّبت إسرائيل مضمونه ونشرته دونما أن يصدر ردّ فعل لبنانيّ رسميّ حياله أو تؤكّده الإدارة الأميركيّة. البيان الثالث، غير الموثّق بين الدولتين العدوّتين، اتُّفق عليه في 26 تشرين الثاني 2024، عشيّة صدور وقف النار آنذاك، وحمل عنوان “الضمانات الجانبيّة الأميركيّة”.

يتقاطع عون وبرّي عند المسألة الجوهريّة المتوخّاة من أيّ تفاوض مع إسرائيل، سواء مباشر أو غير مباشر

في أربع من الفقرات التسع في رسالة الضمانات هذه يجري إطلاق يد إسرائيل في التحرّك على كلّ الأراضي اللبنانيّة، مع تخصيص منطقة جنوب نهر الليطاني حيث تُطلق يدها في التحرّك ساعة تشاء وأنّى تشاء لاستهداف “الحزب” مقاتلين وبنى عسكريّة كلّما اشتبهت أو أرادت أن تشتبه، وأمّا خارج هذه المنطقة فجرى تخويلها بعد الطلب من السلطات اللبنانيّة إزالة الاشتباه التحرّك الحرّ متى أخفق لبنان.

على طرف نقيض من رسالة الضمانات هذه التي قصَرت حقّ التحرّك على إسرائيل، كما على طرف نقيض من بيان وقف النار المعلن في 27 تشرين الثاني 2024 الذي خوّل طرفَيْ النزاع المسلّح، إسرائيل و”الحزب”، حقّ الدفاع عن النفس في الفقرة الرابعة فيه، أتى التمديد الأوّل لوقف النار المعلن في 23 نيسان، في الفقرة الثالثة، يحفظ لإسرائيل وحدها حقّها في الدفاع عن النفس ويحجبه عن “الحزب”.

عندما صدر وقف النار عام 2024 كان عون لا يزال قائداً للجيش، ولم يُحَط علماً به ولم يزُره آموس هوكستين الوسيط الأميركيّ لإطلاعه على ما يُعدّ إلى أن دُعِي عون إلى تطبيقه. حضر عون، رئيساً للجمهوريّة، وقف النار الأوّل لعشرة أيّام في 17 نيسان 2026، والتمديد الأوّل له في 23 نيسان، ووافق عليهما. انبثق كلاهما من جولتَيْ التفاوض اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ في واشنطن. في المقابل كان رئيس البرلمان المحاور الشيعيّ لهوكستين في وقف النار عام 2024 دونما أن ينخرط في قرارَي وقف النار الأخيرين لصدورهما عن جولتَي التفاوض المباشر اللتين رفضهما برّي.

لم يطلب عون اتّفاق سلام

أضحت المفاوضات المباشرة العقبة الكأداء في خلاف الرئيسين.

واقع الدولة اللبنانيّة لا تُحسد عليه، بل يصعب عليها إيجاد مخرج له

يتقاطع عون وبرّي عند المسألة الجوهريّة المتوخّاة من أيّ تفاوض مع إسرائيل، سواء مباشر أو غير مباشر. قالا معاً بالوقف الشامل للنار والانسحاب الإسرائيليّ من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة وعودة الأسرى ورجوع النازحين إلى قراهم وإعمار الجنوب. المهمّ في خاتمة ما قالاه أنّهما مع تعويم اتّفاق الهدنة المبرم عام 1949 أو أيّ ترتيبات أمنيّة مماثلة.

في أيّ من مواقفه لم يأتِ عون يوماً على ذكر اتّفاق سلام، أو تصوَّر أنّه يبصره في تفاوض لبنانيّ مع إسرائيل. يدور الفارق بين الرجلين حول مسألة شكليّة أضحت إشكاليّة، وهي تباين موقفَيهما من التفاوض المباشر.

محطّتان في التّفاوض غير المباشر

في مسار التواصل اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ الممتدّ من عام 1949 تاريخ توقيع اتّفاق الهدنة، إلى السنة الحالية مع اتّفاق وقف النار الأوّل في 17 نيسان، جرى مرّتين فقط تفاوض غير مباشر بين البلدين:

1- في أيّار 2000، عشيّة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وغداته، عندما تولّى موفد الأمم المتّحدة تيري ـ رود لارسن تفاوضاً غير مباشر بين لبنان وإسرائيل عبر جولات مكّوكيّة واكبت الانسحاب الإسرائيليّ انتهى إلى الخط الأزرق، وهو خطّ حدوديّ وهميّ بين البلدين غير متطابق مع الحدود الدوليّة لعام 1923. كان الوسيط بينهما الأمم المتّحدة دونما أن يحدث لقاء مباشر بين ممثّلي البلدين، وقبل لبنان على مضض بالخطّ الأزرق.

2- في تشرين الأوّل 2022 مع توقيع لبنان وإسرائيل اتّفاق ترسيم الحدود البحريّة بينهما من خلال الوسيط الأميركيّ آموس هوكستين الذي جال مكّوكيّاً بين البلدين، محاوراً بداية رئيس البرلمان ثمّ رئيس الجمهوريّة، إلى أن وُقّع اتّفاق الترسيم بلا أيّ تواصل مباشر بين الدولتين، ووقّعه كلّ منهما حيث هو على نحو منفصل.

يصحّ التفاوض المباشر على توقيع اتّفاق الهدنة في آذار 1949 الذي تمثّل فيه لبنان بضابطين

ما خلا هاتين السابقتين، كلّ تفاوض لبنانيّ ـ إسرائيليّ منذ عام 1949 لا يُعدّ سوى تفاوض مباشر. الطرفان العدوّان، وإن كان بينهما وسيط ثالث أميركيّ أو أمميّ أو غيرهما، لم يُزِل هذا الوسيط الانطباع بأنّ ممثّلَيْهما كانا في تفاوض مباشر: في غرفة واحدة، إلى طاولة واحدة، وجهاً لوجه، وإن كان من غير تبادل حوار بينهما، وفي مرّات أخرى تبادلاه طويلاً.

يصحّ التفاوض المباشر على توقيع اتّفاق الهدنة في آذار 1949 الذي تمثّل فيه لبنان بضابطين. حصل أيضاً في المفاوضات الطويلة بين كانون الأوّل 1982 وأيّار 1983 في الناقورة وكريات شمونة وجهاً لوجه من أجل اتّفاق جلاء القوّات الإسرائيليّة عن لبنان المعروف باتّفاق 17 أيّار. مثّل لبنان سفير مخضرم هو أنطوان فتّال ومثّل إسرائيل المدير العامّ لوزارة الخارجيّة ديفيد كيمحي، وهما اللذان وقّعا صكّ الاتّفاق معاً.

شركاء تفاهم نيسان

حصل أيضاً تفاوض مباشر في نيسان 1996 لدى توقيع “تفاهم نيسان”. إلى لبنان وإسرائيل والولايات المتّحدة، كان ثمّة شريكان في التفاهم هما فرنسا وسوريا. من “تفاهم نيسان” عامذاك انبثقت لجنة خماسيّة تواصلت أعمالها حتّى توقّفت عام 2000، وكان ممثّلو الدول الخمس يتوزّعون بين مدنيّين وعسكريّين يتحاورون معاً وجهاً لوجه.

لم تكن آخر محاولات التفاوض المباشر أقلّ تطابقاً مع تلك السوابق، وهي اتّفاق وقف النار بين لبنان وإسرائيل في 27 تشرين الثاني 2024 عبر لجنة “الميكانيزم” التي جمعت لبنان وإسرائيل مع ضامنَين أميركيّ وفرنسيّ ورعاية أمميّة وتوالت اجتماعاتها بلا جدوى في الناقورة.

ليست صورتا اجتماع سفيرَي لبنان وإسرائيل في واشنطن أخيراً إلّا إعادة تأكيد ما كان حدث قبلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى