
كتب أنطوان سعادة في هنا لبنان:
بعد خروجها من “أوبك” و”أوبك بلس”، ستواصل الإمارات سياستها الإنتاجيّة النّفطية بمرونةٍ أكبر، عبر رفع أو خفض الإنتاج بما يتماشى مع الطلب وظروف السوق، ما يعكس استمرار دورها الفاعل في سوق النّفط العالمية، مع احتمال استمرار التنسيق مع الدول المُنتجة الأخرى للحفاظ على استقرار الأسعار.
يشهد سوق النفط العالمية في المرحلة الراهنة نقاشات متجدّدة حول مستقبل التوازنات داخل منظّمة “أوبك” وتحالف “أوبك بلس”، في ظلّ التحوّلات المتسارعة في سياسات الإنتاج والطموحات الاقتصادية للدول المنتجة الكبرى. فبينما لا تزال هذه المنظومة تمثّل الإطار الأبرز لضبط إيقاع العرض والطلب عالميًّا، يبرز في المقابل تساؤل أساسي حول مدى قدرة هذا التكتّل على الاستمرار بالفاعلية نفسها في ظلّ التغيّرات المتلاحقة داخل صفوفه.
وتزداد أهمّية هذا النّقاش مع بروز حالات فردية لدول منتجة كبرى تُعيد النظر في موقعها داخل المنظمة، وما قد يترتّب على ذلك من انعكاسات على آليّة إدارة السوق، وعلى قدرة “أوبك بلس” على الحفاظ على استقرار الأسعار في مواجهة عوامل جيوسياسية واقتصادية معقدة. وبين اعتبارات الإنتاج والمصالح الوطنية، يبقى السؤال الأهمّ: إلى أين يتجه هذا التوازن الدقيق في سوق الطاقة العالمية؟
تُشكّل منظمة “أوبك” وتحالف “أوبك بلس” أحد أهم الأطر النّاظمة لسوق النفط العالمية، إذ تضم “أوبك” 12 دولةً عضوًا، في حين يضم تحالف “أوبك بلس” إلى جانب هذه الدول عددًا من المنتجين الرّئيسيين من خارج المنظمة، ليصل مجموع المشاركين إلى نحو 23 دولة، ما يوازي قرابة 40 إلى 45% من إجمالي الإنتاج العالمي للنّفط. وهذا الحجم يمنح التكتّل ثقلًا استثنائيًّا في التأثير في الأسعار وتوازنات العرض والطلب في الأسواق الدولية، ما يجعل أيّ تغيير داخله، سواء عبر الانسحاب أو تعديل الأدوار، مسألة ذات انعكاسات مباشرة على استقرار سوق الطاقة العالمية.
وفي هذا السياق، يكتسب أي حديث عن تحرّكات داخل هذا الإطار، سواء على مستوى الأعضاء المؤسّسين أو الشركاء، أهميةً خاصّةً، نظرًا لكون “أوبك بلس” لا يقتصر دوره على تنسيق الإنتاج فحسب، بل يمتدّ إلى إدارة توازناتٍ دقيقةٍ تتحكّم بأسعار النفط، وتنعكس بشكلٍ مباشرٍ على الاقتصاد العالمي، من التضخّم إلى كلفة الطاقة والنموّ الاقتصادي.
تعمل “أوبك” و”أوبك بلس” وفق آليّة تقوم على تنسيق مستويات الإنتاج بين الدول الأعضاء، بحيث يتمّ تحديد سقوف إنتاج لكل دولة وفق اتفاقات مشتركة. ويهدف هذا التنظيم إلى التحكّم بحجم المعروض من النّفط في الأسواق العالمية، بما يسمح بالمحافظة على استقرار الأسعار ومنع التقلّبات الحادّة. فعند ارتفاع الطلب، يتمّ رفع الإنتاج تدريجيًّا، بينما يُلجأ إلى خفضه في فترات تراجع الطلب أو زيادة المعروض، لضمان التوازن بين العرض والطلب في السوق العالمية.
تتمتّع الإمارات بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 5 ملايين برميل يوميًا، فيما تبلغ حصتها المحدّدة ضمن “أوبك” حوالي 3.5 ملايين برميل يوميًا، ما يمنحها قدرةً نظريةً على زيادة إنتاجها بنحو 1.5 مليون برميل إضافي يوميًّا. وفي هذا السياق، تعمل شركة “أدنوك” على خطةٍ استثماريةٍ ضخمة تُقدّر بنحو 150 مليار دولار ما بين عامي 2026 و2030، بهدف رفع قدراتها الإنتاجيّة في السنوات المقبلة.
وتُشير تقديرات إلى أنّه في حال خروج الإمارات من “أوبك”، فإنّ ذلك قد يُتيح لها زيادة إيراداتها بنحو 50 إلى 70 مليار دولار سنويًّا بحلول عام 2028، في حال تمّ استثمار كامل طاقتها الإنتاجية. وتُعدّ الإمارات ثالث أكبر منتج داخل “أوبك”، كما تمتلك احتياطيّات نفطيةً كبيرةً، ما يجعل دورها محوريًا في معادلة العرض والطلب العالمية وفي التأثير في أسعار السوق.
الإمارات ليست أوّل دولة تغادر “أوبك”، إذ سبقتها قطر في عام 2019 وأنغولا في عام 2023، إلّا أنّ خصوصيّة الحالة الإماراتية تكمن في حجمها النفطي الكبير، فهي تمتلك احتياطيًّا يُقدَّر بنحو 113 مليار برميل، ما يضعها في المرتبة السادسة عالميًّا. لذلك، فإنّ أي خطوة تتعلّق بها تبقى ذات انعكاسات واضحة على توازنات سوق النفط العالمية.
بعد خروج الإمارات من “أوبك”، يبرز تساؤل حول شكل المنظمة وتوازناتها. إذ ستواصل الإمارات سياستها الإنتاجية بمرونةٍ، عبر رفع أو خفض الإنتاج بما يتماشى مع الطلب وظروف السوق، ما يعكس استمرار دورها الفاعل في سوق النفط العالمية، مع احتمال استمرار التنسيق مع الدول المنتجة الأخرى للحفاظ على استقرار الأسعار.
في المُحصّلة، لم تشهد السوق العالمية تأثيرات كبيرة في مستوى الأسعار، ويعود ذلك بشكل أساسيّ إلى استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز والتوتّرات الأمنية في الشرق الأوسط، ما يُبقي أسعار النفط عرضةً لتقلّبات مرتبطة بعوامل جيوسياسية أكثر من كونها هيكليّة بحتة.



