
عشية جولة مفاوضات لبنانية- اسرائيلية ثالثة على مستوى السفراء في واشنطن، وفي ظل رفض رئاسي لبناني للقاء رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو راهناً، بناء على رغبة الرئيس الاميركي دونالد ترامب الدافع بقوة نحو تسجيل لقاء يدّونه في سجله التاريخي، جاءت زيارتا السفير الاميركي ميشال عيسى الى بكركي وعين التينة امس بما تضمنتا من مواقف لتعيد فتح النقاش على زيارة عون لواشنطن ولقاء نتنياهو، الامر الذي يبدو محسوماً ومبتوتاً من جانب الرئيس عون، لا لقاء الا لتتويج مسار المفاوضات، انطلاقاً من قناعة وطنية اولا وحرصاً على عدم تفجير الوضع الداخلي المشحون ثانياً وانسجاما مع التوجه العربي وبيان قمة بيروت ثالثاً.فكيف تتلقف الادارة الاميركية الرفض اللبناني، خصوصاً في ظل حديث عن قرار مُتخذ بوجوب انهاء سلاح حزب الله في اسرع وقت وإلا.
تقول مصادر وزارية لـ”المركزية” ان ادارة الرئيس الاميركي عازمة على طي صفحة حزب الله لكنها في الوقت نفسه تسعى لإطلاق مسار الحل بهدوء كاشفة عن ان الرئيس عون لمس تفهماً كبيراً من ترامب نفسه خلال الاتصال الذي جرى بينهما في 16 نيسان الماضي واستمر 29 دقيقة، اذ حمل في طياته أبعاداً سياسية وإنسانية عميقة، خصوصا لتزامنه مع تصاعد وتيرة الاستهدافات الاسرائيلية في الجنوب.
وتكشف المصادر تفاصيل ما دار خلال الاتصال بالقول انه بدأ بأجواء بروتوكولية، وسرعان ما تحوّل إلى حديث شخصي من ترامب، عبّر فيه عن مكانة لبنان الخاصة لديه، خصوصا ان حفيده لبناني، ومشيداً بقدرات اللبنانيين وانتشارهم في العالم، حيث وصفهم بالنخب المتميزة التي تركت بصمات واضحة في مختلف القطاعات، لا سيما في الولايات المتحدة. وأكد ترامب خلال الاتصال أنه كان تعهّد في خلال حملته الانتخابية بالعمل على حل أزمة لبنان، مجدداً التزامه بهذا الوعد، وداعياً إلى التعاون لتحقيق السلام عبر إطلاق مفاوضات مع إسرائيل، بما يؤدي إلى تسوية شاملة.
في المقابل، جاء رد الرئيس عون مباشراً وحازماً، إذ شكر ترامب على دعمه، واصفاً إياه بـ”الصديق القوي”، لكنه شدد على أن لبنان الجميل الذي يتحدث عنه يتعرض حالياً للتدمير. وأطلع عون نظيره الأميركي على معطيات ميدانية وأمنية، تفيد باستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، واستهداف القرى واغتيال عدد من أبنائها.
وعند هذه النقطة وخلال الاتصال، طلب ترامب من عون التريث للحظات، ليُسمع لاحقاً وهو يطلب من وزير خارجيته ماركو روبيو التواصل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، داعياً اياه إلى وقف فوري لإطلاق النار ووقف عمليات التدمير، وهو ما تشير المصادر إلى أنه تحقق بالفعل في حينه. وعاد عون ليؤكد موقف لبنان الداعم لمبدأ التفاوض، لكنه شدد على رفض إجراء أي مفاوضات “تحت النار”، مطالباً بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، والانسحاب إلى الحدود المعترف بها دولياً، إضافة إلى إطلاق الأسرى، كمدخل أساسي لبدء أي مسار تفاوضي جدي.
وتشير المصادر إلى أن الاتصال هذا شكّل نقطة تحوّل في موقف ترامب، إذ ساهم في توضيح العديد من الحقائق التي لم تكن مكتملة لديه. وقد انعكس ذلك في مواقفه اللاحقة، حيث بدا أكثر تفهماً للموقف اللبناني، واضعاً ما وصفته المصادر بـ”الخطوط الحمراء” أمام إسرائيل، ومن بينها عدم استهداف العاصمة بيروت والبنى التحتية الحيوية كالمطار والمرفأ.
وتأكيداً لصدقية المعلومات، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية في اليوم التالي أن ترامب طلب من نتنياهو التعامل بحذر أكبر في لبنان، محذراً من أن تدمير المباني يضر بصورة إسرائيل، ومشدداً على ضرورة الحفاظ على وقف إطلاق النار، معبّراً في الوقت نفسه عن دعمه للبنان وقيادته، ومعتبراً أن جوهر المشكلة يتمثل في سلاح حزب الله.
تكشف الدقائق الـ29 هذه ، بحسب المصادر، عن تحول لافت في المقاربة الأميركية للملف اللبناني، وتفتح الباب أمام احتمالات سياسية جديدة، قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي. شأن يؤكد اهمية التواصل المباشر لحل الخلافات، والحوار والتفاوض كسبيل أنجع لبلوغ الهدنة والسلام.




