
كتب أنطوان العويط:
ليس الأمر تفصيلاً بروتوكوليًّا عابرًا، ولا مجرّد جدلٍ حول لقاءٍ من عدمه.
ما يتقدّم اليوم في المشهد اللبنانيّ هو سؤالٌ أعمق. هل تُعيد واشنطن رسم إيقاع الخطوة اللبنانيّة، بحيث تُصبح زيارة جوزاف عون إلى العاصمة الأميركيّة مشروطةً بلقاء مع بنيامين نتنياهو؟ أم أنّ بيروت تحاول، للمرّة الأولى منذ زمن، أن تفاوض من موقع تغليب المصلحة الوطنيّة العليا على ما عداها؟
في العلن، يبدو الموقف اللبنانيّ متماسكًا على مستويين متوازيين، وهو كذلك إلى حدٍّ بعيد في الواقع. الأوّل يقوده رئيس الجمهوريّة، الذي حسم خياره بالانخراط في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، باعتبارها الممرّ الإلزاميّ لوقف حربٍ مفتوحةٍ تستنزف البلاد. أمّا الثاني، فيتولّاه رئيس الحكومة نواف سلام، الذي يضع مسألة حصر السلاح بيد الدولة في مرتبة القرار غير القابل للتراجع.
يلتقي هذان الخطّان ويتكاملان، على اختلاف طبيعتهما، عند نقطةٍ واحدة تتمثّل في محاولة إعادة إنتاج الدولة كمرجعيّة وحيدة في زمن تعدّد المرجعيّات، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
غير أنّ هذا التماسك الظاهريّ لا يحجب كثافة التعقيدات الكامنة. فالرئيس عون يرى في زيارته المرتقبة إلى واشنطن فرصةً لفتح كوّةٍ في جدار الحرب، وإطارًا عمليًّا قابلًا للترجمة في هذه المرحلة الدقيقة. لكنّ هذا المسار يطرح سؤالًا ملحًّا. كيف يمكن المضيّ فيه من دون أثمانٍ داخليّة مرتفعة؟
في المقابل، تبدو الدعوات الرافضة فاقدةً لفعاليتها ما لم تقترن بطرحٍ بديلٍ واضحٍ وواقعيّ، يفضي إلى تثبيت وقف إطلاق النار وبلوغ هدنةٍ مستدامة، والدخول في مفاوضاتٍ تُطرح فيها مطالب لبنان بوضوح.
في موازاة ذلك، يرسم الرئيس خطًّا أحمر واضحًا يقضي باستبعاد اللقاء مع نتنياهو في المرحلة الراهنة. لا يتعلّق الأمر برفضٍ مبدئيّ للفكرة، بل باعتراضٍ على توقيتها وسياقها. في حساباته، لا تزال كلفة الصورة التي يسعى إليها نتنياهو أعلى من عائدها، في ظلّ غياب ضمانات أميركيّة حاسمة قادرة على انتزاع تنازلات إسرائيليّة فعليّة، لا مجرّد استثمارٍ سياسيّ في لحظةٍ إقليميّة مضطربة.
هذا الحذر لا ينبع فقط من قراءة تفاوضيّة باردة، بل يتغذّى أيضًا من شبكةٍ أوسع من الاعتبارات. عربيًّا، تبدو عواصم أساسيّة كـمصر والسعودية داعمةً لمسار التفاوض، لكنها غير متحمّسة لمنح نتنياهو ما يحتاجه أكثر من أيّ اتفاق: الصورة. فالرجل، منذ سنوات، يبحث عن اختراقٍ رمزيّ يعيد تعويمه، أكثر ممّا يبحث عن تسوياتٍ نهائيّة.
أمّا داخليًّا، فالمشهد أكثر هشاشة. الاعتراض لا يتوزّع بالتساوي بين الطوائف والقوى، بل يتركّز أساسًا حيث يتموضع “حزب الله” ومعه “حركة أمل” في موقع الرفض الصلب. هنا، لا يُنظر إلى اللقاء كخطوة تفاوضيّة، بل كتحوّلٍ استراتيجيّ يتجاوز السقف المقبول، ويهدّد بتفجير التوازنات الداخليّة. وقد بلغ التصعيد حدّ التلويح بخياراتٍ شعبيّة وسياسيّة قاسية، تتجاوز إسقاط الحكومة إلى محاصرة العهد نفسه.
في المقابل، تبدو الساحات الأخرى أكثر مرونة. الغطاء المسيحيّ شبه مكتمل، والموقف السنّي يميل إلى البراغماتيّة الإيجابيّة، فيما يقف الموقف الدرزيّ في منطقةٍ وسطى أقرب إلى القبول المشروط. غير أنّ هذه التوازنات، على أهميّتها، لا تكفي لتعويض غياب المظلّة الشيعيّة.
هكذا يجد الرئيس جوزاف عون نفسه أمام معادلتين ضاغطتين. الأولى تفيد بأنّ إلغاء اللقاء يخفّف الاحتقان الداخليّ، فيما القبول به يحمل خطر تفجير الداخل، في لحظةٍ لا يحتمل فيها لبنان أيّ اهتزازٍ إضافيّ. أمّا الثانية، فتعني أنّ رفض اللقاء يفضي إلى إضعاف موقع لبنان في واشنطن، حيث يضع الرئيس دونالد ترامب ثقله الشخصيّ لدفع هذا المسار التفاوضيّ.
في هذا الإطار، يتصاعد الضغط الأميركيّ بوضوح، عبر السفارة في بيروت ومواقفها العلنيّة، التي تحاول تبسيط المسألة إلى حدّ اعتبار اللقاء خطوةً بلا كلفة. غير أنّ هذا التبسيط يصطدم بواقعٍ لبنانيّ معقّد، حيث لا تُقاس القرارات بميزان الربح الدبلوماسيّ فقط، بل بقدرتها على الصمود في وجه الانقسامات الداخليّة.
من هنا، يصبح السؤال أبعد من اللقاء نفسه. هل يؤدّي تمسّك الرئيس برفض اللقاء إلى انعكاساتٍ سلبيّة على زيارته المرتقبة إلى واشنطن، قد تصل إلى حدّ تأجيلها أو إعادة النظر في توقيتها؟ وهل يفضي ذلك إلى تراجع مستوى الانخراط الأميركيّ في رعاية المسار التفاوضيّ، لمصلحة فسح المجال أمام تصعيدٍ عسكريّ إسرائيليّ أوسع في لبنان، مع رفع القيود السياسيّة عن حركته الميدانيّة تجاه “حزب الله”؟
في هذا المفترق، لا يبدو لبنان أمام خيارٍ بين لقاءٍ أو عدمه، بقدر ما هو أمام اختبارٍ أشمل. كيف يوازن بين ضرورات الخارج وحدود الداخل، في لحظةٍ يُعاد فيها رسم خرائط المنطقة، وتُختبر فيها قدرة الدول الصغيرة على الحفاظ على هامش قرارها، ولو في أضيق الحدود؟
في الكواليس، يُتداول بمخرجٍ قوامه تأجيل اللقاء، على أن يُستعاض عنه بتعهّدٍ بإنجازه في مرحلةٍ لاحقة، بعد تحقيق تقدّمٍ ملموس في مسار المفاوضات، ومقرونًا بضماناتٍ أميركيّة واضحة تُراعي المطالب السياديّة للبنان. عندها، لا يعود التأجيل تراجعًا، بل يتحوّل إلى ورقةٍ تفاوضيّة قائمةٍ بذاتها



