
كتب د. وسام صافي في الانباء:
ليست كل الشهادات سواء. فبعضها يُكتب ليُجمّل، وبعضها ليُبرّر، وقليلٌ فقط يُدوَّن ليكشف. وما تركه الرئيس فرانسوا ميتران في كتابه L’abeille et L’architecte ينتمي إلى هذا القليل: شهادة دقيقة، باردة، لكنها تقطع في عمق سردية عربية طويلة من التعمية أو الإنكار.
حين استعاد وليد جنبلاط تلك الصفحات الثلاث، لم يكن يستحضر نصًا عابرًا، بل لحظة كاشفة: كيف قرأ سياسي أوروبي صراعًا مشرقيًا بوضوح افتقدته نخب المنطقة نفسها.
صراع لا يقبل التسوية
في تدويناته بتاريخ ١١ تشرين الأول ١٩٧٦، بعد لقائه كمال جنبلاط، يكتب فرانسوا ميتيران بما يشبه الحكم النهائي على طبيعة الصراع. ومن بين ما يمكن ترجمته حرفيًا من النص: “كمال جنبلاط رجل فكرٍ قبل أن يكون رجل سلطة، وهو يحمل مشروعًا يتجاوز حدود لبنان”.
ويضيف في موضع آخر: “الأسد لا يثق به. بل يرى فيه خطرًا، ليس لأنه خصم، بل لأنه مثال”.
هنا، تتكثف المأساة في جملة واحدة: المشكلة لم تكن في الخلاف، بل في النموذج. فـحافظ الاسد لم يكن يواجه زعيمًا لبنانيًا، بل احتمالًا سياسيًا قابلاً للانتشار.
التدخل السوري: قراءة مختلفة
بينما سوّقت الأنظمة العربية تدخل دمشق في لبنان كخطوة “لضبط الفوضى”، يسجل ميتيران قراءة أكثر صراحة: “سوريا لا تتدخل لتعيد التوازن، بل لتفرضه وفق شروطها.”
ويتابع: “إنها تخشى انتصار جنبلاط، لأنه سيُظهر أن تغييرًا ممكنًا خارج سيطرتها.”
هذه العبارات، ببساطتها الظاهرة، تقوّض سردية كاملة بُنيت لعقود. فالتدخل لم يكن حياديًا، بل كان قرارًا استراتيجيًا لإجهاض مشروع.
من السياسة إلى المصير
الأخطر في نص ميتيران ليس الوصف، بل الاستنتاج الضمني. فهو يلمّح إلى أن المسار يتجه نحو نقطة لا عودة منها: “إذا استمر هذا التناقض، فلن يكون الحل سياسيًا”.
جملة قصيرة، لكنها تحمل كل ما سيحدث لاحقًا. فحين يصبح الصراع وجوديًا، تسقط السياسة، ويُفتح الباب أمام العنف كأداة حسم.
ما لم يُرد أحد أن يسمعه
المفارقة أن هذه القراءة لم تصدر عن خصم، بل عن مراقب مطّلع. ومع ذلك، تجاهلتها، أو تجاهلت ما يشبهها، نخب عربية كثيرة، فضّلت التمسك بخطاب تعبوي أو تبريري.
في المقابل، يكتب ميتيران بوضوح يكاد يكون صادمًا: “جنبلاط يعرف أنه يسير نحو مواجهة لا يمكن كسبها بالشروط الحالية”.
وهنا، نخرج من التحليل إلى التراجيديا. فالرجل لم يكن ضحية سوء تقدير، بل ضحية إدراك كامل لحجم الصراع.
من “النحلة” إلى “المهندس”… ثم إلى الرصاص
يستعير ميتيران من كارل ماركس فكرة أن المهندس يبني في ذهنه قبل أن يبني في الواقع. لكن ما تكشفه هذه الصفحات أن بعض المشاريع، مهما بلغت دقتها، تصطدم بواقع لا يسمح لها أن تُستكمل.
“في الشرق، ليست كل الأفكار يُسمح لها أن تصبح مؤسسات.”
بهذه العبارة، يختصر ميتيران المسار: من فكرة إلى مشروع، ومن مشروع إلى تهديد، ومن تهديد إلى قرار بالإلغاء.
لماذا نعيد قراءة هذه الصفحات اليوم؟
لأنها لا تتحدث فقط عن ما جرى عام ١٩٧٦، بل عن نمط يتكرر:
-مشروع تغييري يُولد
-سلطة تخشاه
-تدخل يُبرَّر
-ثم نهاية تُقدَّم كقدر
ما فعله ميتيران هو كسر هذا التسلسل عبر تسميته. وما فعله التاريخ لاحقًا هو تأكيده.
ليست قيمة هذه الصفحات في كونها “شهادة تاريخية”، بل في كونها مرآة.
مرآة تكشف أن ما جرى لم يكن غامضًا كما قيل، بل كان واضحًا… لمن أراد أن يرى.
والسؤال الذي يبقى: هل تغيّر شيء؟
أم أننا زلنا نعيش داخل نفس المعادلة، مع أسماء مختلفة فقط ؟




