
كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف سعبي:
ليس ما يجري بين أميركا وإيران مجرّد “عضّ أصابع” عابر، ولا هو أيضًا صدام مفتوح يتجه نحو حسم نهائي. بل هو حالة مركّبة يمكن وصفها بدقّة أكبر بأنها توازن صراعات تحت سقف الانفجار: شدّ وجذب، ضغط ومقابل ضغط، من دون أن يُسمح للساحة بأن تنزلق إلى حرب شاملة.
هذا النوع من العلاقات لا يُقاس بالزمن، بل بإدارة المخاطر.
أولًا: لماذا لا يصل الصراع إلى الحرب؟
رغم حدّة الخطاب وتعدّد الجبهات غير المباشرة، هناك خطوط حمراء واضحة لدى الطرفين:
أميركا لا تريد حربًا جديدة مكلفة في الشرق الأوسط، خاصة بعد تجارب العراق وأفغانستان.
إيران لا تسعى إلى مواجهة مباشرة مع قوة عسكرية تفوقها تقنيًا واقتصاديًا.
كلا الطرفين يستخدم “الأدوات غير المباشرة”: العقوبات، النفوذ الإقليمي، الوكلاء، والضغط البحري والسيبراني.
بمعنى آخر: الصدام قائم، لكن مُدار.
ثانيًا: ما معنى “عضّ الأصابع” فعليًا؟
التعبير يوحي بأن أحد الطرفين سيصرخ أولًا. لكن الواقع مختلف:
كل طرف يحاول رفع كلفة الصبر على الآخر
دون تجاوز العتبة التي تفجّر الحرب
مع اختبار دائم لحدود التحمل
هو أشبه بلعبة أعصاب طويلة، لكن ضمن قواعد غير مكتوبة.
ثالثًا: أين يقع “التوازن” في هذا الصراع؟
رغم التوتر، هناك نوع من الاستقرار غير المعلن:
لا اتفاق شامل، لكن لا انهيار كامل
لا سلام، لكن أيضًا لا حرب مفتوحة
تفاهمات جزئية تتغير حسب الملفات (النووي، العقوبات، الإقليم)
هذا ما يجعل الصراع “مرنًا وخطيرًا” في آن واحد.
رابعًا: ما الذي يمكن أن يغيّر المعادلة؟
ثلاثة مسارات فقط قادرة على كسر هذا التوازن:
الملف النووي: اقتراب إيران من عتبة حساسة قد يدفع نحو تفاوض حاسم أو تصعيد كبير
حرب بالوكالة خارج السيطرة: أي انفجار واسع في إحدى الساحات الإقليمية
تغيير سياسي داخلي: في واشنطن أو طهران يعيد تعريف الأولويات
الخلاصة:
ما بين “عضّ الأصابع” و”توازن الصراعات”، الحقيقة أن العلاقة بين أميركا وإيران ليست طريقًا مستقيمًا نحو الحرب أو السلام، بل دائرة مغلقة من إدارة الاشتباك.
هي ليست مواجهة تُحسم، بل توتر يُدار…
وما دام كل طرف يعتقد أن كلفة الانفجار أكبر من كلفة الصبر، سيبقى هذا التوازن قائمًا، حتى إشعار آخر


