
إذا كانت إيران تتمسك في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الأميركية بشرط وقف إطلاق النار في لبنان، ورعاية حزب الله، وذلك انطلاقاً من مفاوضات إسلام أباد، في الوقت الذي تريد فيه إسرائيل دفع لبنان إلى مواجهة مع حزب الله، مقابل التفاهم معه وصولاً إلى اتفاق أبعد من الترتيبات الأمنية والسياسية، وتصل إلى حدود اتفاق السلام أو التطبيع مع مشاريع اقتصادية مشتركة، بما يعني ضمنياً وضعه على خريطة “طريق الهند” الإسرائيلية… فإن سوريا أصبحت حكماً حاضراً في المشهد اللبناني، أو على “طريق باكستان”. ويمكن لطريق باكستان أن تكون الطريق الاعتراضية على طريق الهند.
في هذا السياق يمكن إدراج زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى سوريا، والتي يجوز اعتبارها بالزيارة التأسيسية ذات الأبعاد الإستراتيجية، خصوصاً أنه خلالها جرى البحث في ملفات مختلفة. في التوقيت والمضمون اتسمت الزيارة بالأهمية، أولاً لجهة الملفات التي جرى بحثها، وأهمها عدم ترك لبنان خارج سياق المشاريع العربية والإقليمية التي تأخذ من الجغرافيا السورية مرتكزاً لها، وكي لا يكون لبنان مهمشاً في مشاريع التجارة، والترانزيت، والطاقة. ثانياً، أهمية التنسيق بين البلدين في ملفات سياسية وأمنية للحفاظ على الاستقرار وعدم الوصول إلى أي صدام، من دون إغفال ملفات التفاوض مع إسرائيل، لا سيما أن البلدين يواجهان مخاطر إسرائيلية كبرى يعبر عنها المسؤولون الإسرائيليون بوضوح. وفي هذا السياق، جرى البحث بإمكانية التنسيق اللبناني السوري المشترك في المفاوضات، كي لا يتم الاستفراد بإحدى الدولتين ضد الأخرى.
مصادر لبنانية تصف الزيارة بأنها وضعت مساراً جديداً وإيجابياً للعلاقات الندية، على أن تستكمل بالمزيد من اللقاءات التنسيقية على المستويات المختلفة. كما شدد السوريون على ضرورة ضبط الحدود، وناقشوا مسألة تسليم عدد من الضباط السوريين المحسوبين على نظام الأسد والذين يقيمون في لبنان. وهذا يقتضي زيادة منسوب التنسيق الأمني بين البلدين. أما بالنسبة إلى الإعلانات السورية المتكررة عن توقيف شبكات مرتبطة بحزب الله تنشط في سوريا، وتخطط لتنفيذ عمليات، فكانت حاضرة في المباحثات، انطلاقاً من كلام سوري واضح كرره الشرع، وهو أن سوريا طوت الصفحة الماضية، ولا تريد أن تتدخل في لبنان، كما لا تريد لأي طرف لبناني أن يتدخل بالشأن السوري، مع مخاوف سورية دائمة من احتمال حصول عمليات عسكرية إسرائيلية مباغتة وقاسية جداً، هدفها دفع مقاتلي حزب الله للخروج من الجنوب ومن بعض مناطق البقاع باتجاه الأراضي السورية، بهدف دفع الطرفين إلى مواجهة مع بعضهما البعض.
أمام هذه الوقائع، لا يمكن إغفال المساعي العربية لدفع العلاقات السورية اللبنانية إلى التطور والتحسن. وعليه، لم يعد بالإمكان فصل الملفات الاستراتيجية عن بعضها البعض، سواء بمواجهة المخاطر الإسرائيلية، أو حتى التفكير بمرحلة ما بعد الحرب، إضافة إلى التركيز السوري على عدم قيام إيران بأي هجمة ارتدادية باتجاه سوريا، انطلاقاً من لبنان. تنظر سوريا إلى نفسها ومشروعها بأنها نقطة تقاطع استراتيجي بين دول وجهات عديدة، وأنه يمكن للبنان أن يستفيد منها، والأهم أن لا يكون طرفاً اعتراضياً أو مؤثراً سلبياً على هذا المسار، لذلك لا يمكن لسوريا أن ترضى للبنان أن يبقى خاضعاً للنفوذ الإيراني الكامل، ولا أن يخضع للنفوذ الإسرائيلي والذي ستسعى تل أبيب من ورائه إلى تقويض سوريا، أمنياً وعسكرياً انطلاقاً من الجنوب ومحاولات دمج الجغرافيا اللبنانية بالسورية، ولا سيما بين المناطق الدرزية في حاصبيا والقنيطرة، أو سياسياً واقتصادياً من خلال دفع لبنان إلى مشاريع وتبني وجهات تتعارض مع الوجهة السورية، خصوصاً من خلال دفع إسرائيل لتثبيت تفاهمات مع لبنان وقبرص واليونان.
يأتي ذلك كله، في وقت تعتبر إيران أنها تحقق تقدماً في مسارها التفاوضي مع الولايات المتحدة الأميركية. وهي تريد وقف الحرب على حزب الله ومنع تفكيكه والحفاظ على وجوده. في المقابل، فإن زيارة سلام إلى سوريا واللقاء بالشرع هدفها توفير مظلة إقليمية عربية تترجمها دمشق في توفير الدعم لسلام وحكومته والمسار الذي تمثله، وعنوان هذا المسار سحب سلاح حزب الله، وذلك أيضاً يتطابق مع الأهداف السورية حول التنسيق مع لبنان، لمنع أي خطر مستقبلي من الحزب على سوريا، إضافة إلى المسار السوري في إعادة بناء الجيش وإنهاء الحالة الفصائلية بالكامل.
دول عديدة تراقب مسار “اسلام أباد”. إيران تأمل الوصول إلى اتفاق، إسرائيل تسعى إلى إجهاضه والعودة للحرب وهدفها إسقاط النظام. دول عربية وخليجية مصلحتها وقف الحرب والوصول إلى اتفاق ينهي مشروع إيران الإقليمي. وهنا لا يمكن التغافل عن دور تركيا وانتظارها، فهي تريد وقف الحرب وتتحسب للمخاطر الإسرائيلية التي أصبحت مباشرة ضدها، في سوريا وفي لبنان أيضاً، وهو ما يدفعها لتعزيز علاقاتها مع لبنان وربما الاستعداد للتحرك باتجاهه أكثر، إلى جانب دعمها المفتوح لسوريا وتنسيقها الكامل مع السعودية وقطر.



