
كتب محمد سلام في هنا لبنان:
نضجت صيغة “سلام من دون تطبيع” بين لبنان وإسرائيل في أميركا وباكستان من دون ربطها بمجريات الصراع الأميركي – العربي مع إيران، ما يُتيح لتل أبيب استمرار حربها على المحور الإيراني في لبنان وفق معادلة “مَن يريد سلامًا مشروطًا مع إسرائيل عليه ألّا يأوي على أرضه أعداء إسرائيل”.
صيغة “سلام من دون تطبيع” هي عمليًّا تجديد مُتطوّر لاتفاقيّة الهدنة بين لبنان وإسرائيل الموقّعة عام 1949 والتي ظلّلت طرفَيْ الحدود المشتركة بسلامٍ استمر 20 عامًا حتّى خرقها لبنان بتوقيع اتفاق القاهرة عام 1969 الذي أعطى “منظمة التحرير الفلسطينية” صلاحيّة شنّ عمليات عسكرية ضدّ القوّات الإسرائيلية من جنوب لبنان والذي تخلّى لبنان بموجبه عن سيادته على أرضه، وهو التخلّي الذي ما زال مستمرًّا حتى الآن بدليل تدمير مواقع ومنشآت وقتل عناصر لـ”حزب الله” جنوبي نهر الليطاني وفي منطقة عمليات قوّات اليونيفيل ما يتناقض مع مزاعم لبنان الرّسمية عن إكمال عمليّة حصر سلاح ومنشآت محور الممانعة جنوبي نهر الليطاني.
وكشفت إسرائيل يوم الثلاثاء أنّ قوةً مدرعةً من وحدة “كومندوز إيغوز” المتخصّصة بحرب العصابات ولواء غولاني المتخصّص بمحاربة المنظمات الإرهابية في المدن والمُغر الجبليّة كانت قد عبرت نهر الليطاني شمالًا إلى بلدة زوطر الشرقية في قضاء النبطية تحت غطاءٍ جوّيٍ كثيفٍ حيث دمّرت منصّات إطلاق صواريخ لـ “حزب الله”، وذلك بعدما استعادت إسرائيل كلّ ما كانت تحتلّه جنوبي الليطاني قبل انسحابها عام 2000 ما أدّى إلى سقوط المنطقة تحت احتلال محور “أذرع إيران” وأتباعه من فلسطينيّي حركتَيْ “حماس والجهاد الإسلامي” وحلفائه “السوريّين القوميين الاجتماعيين” إضافةً إلى شراذم من شيوعيّي “تراكم الحقد الطبقي” ومرتزقة سنّة الفساد التابعين لعصابة ما يسمّى بـ”سرايا المقاومة”.
علمًا أنّ وجود “حماس” و”الجهاد الإسلامي” في لبنان هو غير قانوني لأنّهما غير مُنتسبتَيْن إلى منظمة التحرير الفلسطينية التي يعترف بها لبنان “مُمثلًا شرعيًّا وحيدًا للشعب الفلسطيني”. وكان النظام اللبناني البائد الموالي لنظام الأسد يرفض حظر التنظيمات التابعة لإيران.
يقول دبلوماسي أنغلوفوني متقاعد أمضى سحابة عمره المهني في ما يحب أن يسمّيه “The Levant” – أي “بلاد الشام” التي تضمّ دول الشرق الأوسط العربية وجبال طوروس التركية – إن “لبنان يتخندق وراء شعار رفض التفاوض تحت النّار لإرغام الدبلوماسيّين في واشنطن وإسلام آباد على تلبية شروطه”. وخلص إلى أنّ “بقيّة مطالب لبنان، كالانسحاب الإسرائيلي وإعادة النّازحين إلى بيوتٍ جاهزةٍ والبدء بإعادة الإعمار، لن تتحقّق إلّا بعد تجريد المحور الإيراني وأتباعه من سلاحهم جذريًّا”.
“Lebanon is entrenched behind a slogan rejecting negotiations under fire, assuming this would enforce diplomats in Washington and Islamabad to meet its conditions,” the Diplomat said. He concluded that “the rest of Lebanon’s demands such as Israeli withdrawal, return of displaced citizens to pre-fab houses will only start after totally disarming the Iranian axis and its proxies”.
ميدانيًّا، بدا واضحًا أنّ إسرائيل انهمكت بتسوية توسّعها شمالي نهر الليطاني وفي محافظة جبل لبنان بشنّ سلسلة غارات جوية أمس الأربعاء تجاوزت نهر الأوّلي عند الحدود الشمالية لمدينة صيدا. وبدا واضحًا أنّ إسرائيل تسعى لتحديد أبعاد أهدافها قبل بدء المحادثات التي تجمع وفودًا أميركية ولبنانية وإسرائيلية في واشنطن اليوم لتحديد سُبُلِ معالجة الحرب المستمرّة منذ الثاني من آذار الماضي.
يبدو، انطلاقًا من أبعاد الانتشار البرّي الإسرائيلي الذي تجاوز الليطاني جنوبًا والاستهدافات الجويّة التي تجاوزت نهر الأوّلي شمالًا، أن إسرائيل تعتمد تكتيكًا قتاليًّا يُعرف بـ “الحرب المُتدحرجة” (أو Scrolling War) تستمرّ بموجبه في دفع عدوّها أمامها لإبعاده عن حماياته الخلفيّة (Rear Guards) بالتعاون بين سلاحَيْ الجو والبحر ما يرقى إلى حرب استنزافٍ (War of Attrition) عنيفةٍ وسريعةٍ ينفّذها مَن يتمتع بالتفوّق الناري كي توفر عليه خسائر بشرية يتكبّدها في الغزو البرّي إذا اعتُمِد، كما تعفيه من اتهامات بارتكاب جرائم حرب لأنّها لا تتضمّن مهاجمة البيئة المدنيّة في المناطق التي يسيطر عليها محور أتباع إيران.
وهو بالضبط ما حصل في الدول الأوروبية في الحرب العالمية الثانيّة، لا سيما في فرنسا التي تحالف شعبها ضدّ “حكومة فيشي” التي قادها الماريشال فيليب بيتان بالتحالف مع النازية الألمانية، فكانت قوات التحالف تخطف جنود بيتان “وتحفر” على جبهاتهم الصليب النّازي المعقوف وتُطلقهم كي يقتلهم مَن يراهم. وكان بعض جنود بيتان يلجأون إلى قياداتهم فتتولى هي أيضًا قتلهم كي لا ينتشر الحقد عليهم في أوساط المواطنين الفرنسيين.
سقطت حكومة فيشي في 25 آب عام 1944، وبعد يوم واحد دخل الجنرال شارل ديغول على رأس قوة فرنسية وأميركية ومجموعة من قوات الحلفاء تكريمًا للشعب الفرنسي الذي “عاقب الخونة”. هكذا تكسب الشعوب احترام العالم عندما تُعاقِب الخونة من أبناء جلدتها الذين يبيعون أرزاقهم للغرباء أو يؤجّرون منازلهم بمبالغ وهميّة لأغراب يمكن أن يتسبّب وجودهم بمجازر لأهل الأرض، كما تفعل بعض الأحزاب التابعة لمحور إيران في بيروت وبلدات قضاء عاليه وإقليم الخروب والبترون والكورة وعكّار حيث تتواجد شراذم الأحزاب التي كانت يومًا وطنية أو قوميّة فتجاوزها الزّمن وتركها بمثابة سلعٍ لمَن يشتري.
عودة إلى اجتماع واشنطن المقرّر اليوم الخميس وغدًا الجمعة الذي ستتركّز مهامه في اليوم الأول على تظهير المواقف النهائية الأميركية واللبنانية والإسرائيلية كي يُعقد اجتماع طوال يوم غدٍ الجمعة لمحاولة التوصّل إلى صيغةٍ موحّدةٍ لمعالجة الحرب الرباعية (الأميركية، الإيرانية، الإسرائيلية، العربية).
مُعضلة لبنان تكمن في أنّه لا يحوز على ثقة الأشقاء والأصدقاء في قدرته على استعادة سيادته على كامل الكيان الوطني وقدرته على الإمساك الكلّي بقرار الحرب والسلم عبر إعادة أسلحة المحور الإيراني إلى إيران ضمانًا لعدم إبقائها في لبنان بمثابة وديعة لدى الجيش ما يمكّنه من استعادتها إذا تغيّرت الظروف، إضافةً إلى “غربلة” القوى المسلحة والأمنية اللبنانية لتطهيرها من أتباع مِحورَيْ الفساد وإيران.
إذا صدقت النوايا وجدّت الهمم، يحتاج التطهير إلى أكثر من الأشهر السبعة المتبقّية من العام 2026 ما يُربك المحيطَيْن الاثنَيْن، القريب والأوسط (أوروبا) وقد تتسلّل عقيدة الولي الفقيه عبر المحيط الثاني إلى الأقاصي البعيدة، كما تسلّلت عقيدة الإمام الخميني بشرائط التسجيل من فرنسا إلى إيران والشرق الأوسط العربي، ما سيؤدّي إلى فرض إمّا عزل شامل على لبنان أو إجراء عملية تطهير للمنطقة الشرق أوسطية من نازية الولي الفقيه ذات العقيدة الدّينية المقفلة التي هي أشد إمساكًا بأتباعها من عنصرية النّازية الهتلرية على أن تكون أشبه بتحالف الرّاغبين في الحرب الكَوْنية الثانيّة ضد النّازية الهتلرية وفاشية موسوليني الإيطالية وشقيقتهما الإمبراطورية الفاشية العسكرية اليابانية عندما كان الإمبراطور هيروهيتو يُعتبر رمزًا مقدّسًا وقائدًا أعلى للدولة والجيش.
وفي هذا الصدد، حاولت مجموعة من المعوقين الاثنين الماضي السيطرة على سوق الخضار في محلة أرض جلول التّابعة لمنطقة الطريق الجديدة في بيروت، ما ردّ عليه أهل المنطقة باعتصامٍ حاشدٍ شدّد على استخدامه كسوق خضار معتبرًا أنّ المعوقين إذا دخلوه فلن يغادروه.
وفي تطوّرٍ على صلة، دعا “التيكتوكر” المشهور الدكتور أحمد ياسين سكان المناطق الممتدّة من عكار إلى بيروت إلى مراقبة حركة النّازحين كي لا يحتلّوا مناطقهم بدعم من “حزب الله” الذي توقّع أن ينهار قريبًا. فأين سيستقرّ لبنان، في سلامٍ من دون تطبيع أم في حربٍ أهليّة

