سلايدات

غرفةٌ تمتلئ بالغاز… وأصابعُ على ولاعة…

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:

ليست المنطقة اليوم أمام حربٍ معلَنة، بل أمام مشهدٍ أشدّ خطورة: غرفةٌ مغلقة، يتسرّب إليها الغاز ببطء، وكل من فيها يدرك ذلك… ومع ذلك، لا أحد يغادر، بل الجميع يُمسك ولاعته، يلوّح بها، ويهدّد الآخر دون أن يشعلها. هذا هو الخليج اليوم، وهذا هو ميزان الشرق الأوسط بأكمله.
الغاز في هذه الغرفة ليس عنصرًا واحدًا، بل خليطٌ كثيف من التوترات المتراكمة. صراع مفتوح مباشر وغير مباشر بين إيران وإسرائيل، حضور عسكري ثقيل لـ الولايات المتحدة في البر والبحر، وساحاتٌ متعدّدة تتحرّك فيها المواجهة دون إعلان رسمي: من لبنان إلى العراق وصولًا إلى اليمن. كل ساحة تضخّ مزيدًا من “الغاز” في الجو العام، فتزداد القابلية للاشتعال، حتى لو بدا السطح هادئًا.
أما “الولاعة”، فهي ليست قرار حربٍ شامل، بل قد تكون تفصيلًا صغيرًا يخرج عن السيطرة: ضربةٌ تتجاوز المألوف، عمليةٌ توقع عددًا كبيرًا من الضحايا، أو حتى خطأ في التقدير. في بيئةٍ مشحونة إلى هذا الحد، لا تحتاج الشرارة إلى حجمٍ كبير… يكفي أن تقع في اللحظة الخطأ لتتحوّل إلى سلسلة ردود متدحرجة، يصعب إيقافها بعد انطلاقها.
ورغم ذلك، لم تشتعل الغرفة بعد. السبب ليس غياب التوتر، بل حضور الإدراك. جميع الأطراف تعرف أن الحريق إن اندلع لن يكون محدودًا. إيران تدرك أن المواجهة المفتوحة ستستجلب ضربات قاسية، وإسرائيل تعي أنها قد تُدفع إلى حرب متعددة الجبهات، فيما تحاول الولايات المتحدة إبقاء الصراع ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، خشية الانزلاق إلى مستنقع واسع يهدد الاقتصاد العالمي قبل أي شيء آخر. لذلك، يُمسك الجميع بالولاعة… لكن دون إشعالها.
غير أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في نية الحرب، بل في احتمال فقدان السيطرة. حين يتحوّل الرد إلى ضرورة سياسية أو معنوية، وحين تتداخل الجبهات وتتشابك الحسابات، يصبح ضبط الإيقاع أكثر صعوبة. عندها، لا يعود السؤال: “هل نريد الحرب؟” بل “هل ما زلنا قادرين على منعها؟”.
في هذا المشهد، يبدو الخليج واقفًا على حافة معادلة دقيقة: تصعيدٌ محسوب، وردعٌ متبادل، وسقفٌ غير معلن يمنع الانفجار. لكن هذا السقف، مهما بدا صلبًا، يبقى هشًّا أمام خطأ واحد، أو قراءة خاطئة، أو قرار متسرّع.
الخلاصة أن المنطقة لا تعيش لحظة حرب، بل لحظة قابلية دائمة لها. والفرق بين الاستقرار والانفجار لم يعد يحتاج إلى خطط كبرى… بل إلى شرارة واحدة، في غرفة لم يعد فيها متّسعٌ للهواء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى