
كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:
يخشى كثيرون أن يكون ما يُطبخ تحت الطاولة مختلفًا تمامًا عمّا يُقال فوقها. ففي السياسة، غالبًا ما تكون البيانات العلنية مجرّد عناوين، فيما التفاصيل الحقيقية تُحاك في الغرف المغلقة وعلى حساب الشعوب الصغيرة. لذلك يبرز السؤال الأخطر: من باع من؟ ومن قبض الثمن؟
هل قدّمت أميركا لبنان لإيران ضمن تسوية كبرى تحفظ مصالحها وتخفف أعباء المواجهة عنها؟
أم أن إيران قدّمت الحزب لأميركا مقابل ضمانات تتعلّق بالنظام الإيراني نفسه ورفع الضغوط عنه؟
كلا الاحتمالين وارد في لعبة الأمم، لأن الدول الكبرى لا تبني سياساتها على العواطف بل على المصالح فقط.
عند قراءة البنود المتداولة، لا يبدو أنّ هناك تغييرًا جذريًا كما يحاول البعض تصويره.
فتح مضيق هرمز مثلًا ليس إنجازًا استثنائيًا، لأن المضيق كان مفتوحًا أصلًا، وإيران لم تُغلقه إلا تحت ضغط الحرب والتهديد، وبالتالي فإن إعادة فتحه تعني العودة إلى الوضع الطبيعي لا أكثر.
أما الحديث عن بقاء الوجود الأميركي في المنطقة، فالأميركي موجود أساسًا في قواعده المنتشرة في الخليج، ولم يغادر يومًا كي يُقال إنه عاد أو ثبت وجوده.
وفي ملف التخصيب واليورانيوم، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا مما يُطرح إعلاميًا.
فمسألة نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران ليست تفصيلًا تقنيًا بسيطًا، بل ملف سيادي وأمني بالغ الحساسية:
من سيتولى النقل؟
إلى أي دولة سيُنقل؟
من سيستفيد فعليًا من هذه المواد؟
وهل تقبل إيران أصلًا بالتخلي عن أحد أهم عناصر قوتها الاستراتيجية؟
الطرف الذي يبدو الأكثر خسارة من أي اتفاق أميركي ـ إيراني هو إسرائيل، لأن أي تفاهم يُقيّد اندفاعها العسكري ويمنعها من فرض شروطها بالقوة سيعني تراجع هامش المناورة لديها. ولهذا تحديدًا قد نشهد في المرحلة المقبلة تصعيدًا سياسيًا وإعلاميًا إسرائيليًا لمحاولة تعطيل أي تفاهم لا يحقق مصالحها بالكامل.
لكن الأخطر يبقى لبنان.
فإذا صحّ الحديث عن وجود قوات أميركية أو قوات مرتبطة بالمصالح الأميركية في الجنوب تحت عناوين اقتصادية أو أمنية مرتبطة بالمنطقة الاقتصادية والغاز، فإن السؤال يصبح وجوديًا بالنسبة لأبناء الجنوب، وخصوصًا أبناء الطائفة الشيعية الذين دفعوا أثمان الحروب والاحتلال والدمار لعقود طويلة.
إلى أين يذهب هؤلاء الناس؟
ومن يحمي أرضهم وبيوتهم ووجودهم؟
وهل يتحول الجنوب مرة جديدة إلى ساحة تفاوض دولي تُرسم فيها الخرائط فوق رؤوس السكان؟
الخاسر الأول في أي صفقة لا تراعي سيادة لبنان ووحدة شعبه لن يكون حزبًا أو فريقًا سياسيًا فقط، بل أبناء لبنان جميعًا، وخصوصًا أهل الجنوب الذين يجدون أنفسهم دائمًا في قلب العاصفة، يدفعون الثمن فيما الآخرون يعقدون الصفقات ويتبادلون المصالح


