
في التاريخ حروبٌ تنتهي بوضوحٍ قاطع، عبر منتصر يفرض شروطه، ومهزوم يسلّم بانكساره. وقد عرف العالم القديم والحديث نماذج كثيرة من هذا النوع، حيث كان فرض الوقائع بالقوّة العسكريّة يعني تلقائيًّا الحسم السياسيّ والاستراتيجيّ.
لكنّ العقود الأخيرة أفرزت نمطًا مختلفًا من الحروب، تُسجَّل فيه انتصارات عسكريّة واقتصاديّة وتكنولوجيّة قاطعة، من دون أن يفضي ذلك إلى نهاية الصراع أو إلى استسلام الخصم.
في هذه الحالة، لا تُقاس الهزيمة فقط بحجم الخسائر، بل بقدرة الطرف المقابل على البقاء وعدم رفع الراية البيضاء. وهنا يتحوّل مجرّد الصمود إلى مادة إعلان انتصار، حتى ولو كانت الكلفة مدمّرة.
إنّه مشهدٌ يحمل بصمةً إيرانيّةً واضحة؛ حربٌ يتعذّر فيها على طهران تحقيق انتصارٍ تقليديٍّ، لا بل يستحيل، فيما تكمن قدرتها الفعليّة في إدارة استنزافٍ طويلِ النفس، يُربك الخصم، ويمنعه من تكريس صورة نصرٍ كامل، ويحوّل فكرة إخضاعها إلى مسارٍ شديد التعقيد وباهظ الكلفة.
من هنا تحديدًا، انطلقت في واشنطن، في ذروة مراجعات الحرب الأخيرة في المنطقة، قراءاتٌ تحليليّة صادرة عن مراكز أبحاث استراتيجيّة وأمنيّة وثيقة الصلة بالإدارة الأميركيّة، سعت إلى مقاربة النتائج من زاوية تتجاوز ثنائيّة الربح والخسارة التقليديّة، نحو سؤالٍ أكثر عمقًا، يتعلّق بالفارق بين الإنجاز والنصر التكتيكيّ وغياب الحسم الاستراتيجيّ.
تقول القراءات الأميركيّة الفائقة التخصّص، بشكل جليّ، إنّ الولايات المتّحدة وإسرائيل نجحتا في توجيه ضربة عسكريّة قاسية جدًّا إلى إيران، وإنّ الحرب أفضت إلى إنجازات ميدانيّة كبيرة على مستوى التدمير العسكريّ المباشر.
ووفق التقديرات المنشورة، جرى تعطيل أو تدمير ما يقارب 85 في المئة من البنية الصناعيّة المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى تحييد الجزء الأكبر من منظومات الدفاع الجوّي الإيرانيّة بنسبة 82%، وتكبيد الأسطول البحريّ والمنشآت العسكريّة خسائر هائلة اقتربت من التدمير الكامل والشامل.
إلاّ أنّ هذه الحرب، رغم ضخامتها، لم تنجح في إنهاء الفعاليّة الإيرانيّة على إعادة إنتاج عناصر القوّة. وإذا كانت قد أصابت البنية الظاهرة والعمليّة للقدرات الإيرانيّة، فإنّها لم تتمكّن من كسر العقيدة القتاليّة والفلسفة الاستراتيجيّة التي تحكم النظام نفسه.
والمشكلة إضافة، وفق هذا التقييم، لم تعد تختصر في الصواريخ وحدها، بل في طبيعة الحرب اللامتماثلة التي راكمتها إيران على مدى عقود، عبر شبكاتٍ إقليميّة وتنظيماتٍ عسكريّة غير تقليديّة، تمتلك قدرةً عالية على إعادة التموضع والانتشار بكلفةٍ منخفضة نسبيًّا.
من هنا، يتقدّم “حزب الله” في القراءات الأميركيّة بوصفه المثال الأكثر تطوّرًا لهذا النمط من الحروب. فإسرائيل، رغم نجاحها في إلحاق خسائر قاسية ومؤلمة بالحزب، لا تزال عاجزة عن إنتاج معادلة حاسمة تُنهي تهديده بصورة نهائيّة.
والأشدّ دقّةً وحساسيّةً، وفق هذه المقاربة، أنّ الحزب، رغم الضربات العنيفة التي تلقّاها، ما زال يحتفظ بقدرةٍ على خوض حرب استنزاف ضدّ إسرائيل، أمنيًّا واقتصاديًّا ونفسيًّا، وإن كان ذلك بكلفةٍ باهظة تطاله كما تطال لبنان وشعبه.
هنا يتجلّى التناقض المركزيّ في المشهد الإقليميّ الجديد. فواشنطن وتلّ أبيب قادرتان على تحقيق انتصارٍ عسكريّ كبير، لكنّهما عاجزتان عن حسم النزاع وإقفاله نهائيًّا.
في المقابل، تكشف هذه الدراسات عن تحوّلٍ عميق داخل التفكير الأميركيّ نفسه، وهو تحوّلٌ ينعكس بوضوح في المسار التفاوضيّ المستمرّ منذ فترة ولأسباب مختلفة. فالولايات المتّحدة لم تعد ترى مصلحتها في خوض حربٍ إقليميّة شاملة، ولا في إعادة إحياء نماذج الاحتلال المباشر أو مشاريع تغيير الأنظمة بالقوّة.
الأولويّة الأميركيّة تبدو اليوم مختلفة تمامًا، وتتجسّد في احتواء إيران بدل إسقاطها، نزع الفتيل النوويّ بدل تفجير المنطقة، حماية الممرّات البحريّة والتوازنات الاستراتيجيّة، وإدارة المخاطر لا التوهّم بإمكانيّة إنهائها بالكامل، في ظلّ تقدّم أولويات داخليّة ودوليّة أخرى باتت أكثر إلحاحًا في حسابات الإدارة الأميركيّة.
أمّا إسرائيل، فتبدو متّجهة نحو صيغة مختلفة من أنماط المواجهة، لا تقوم على الاحتلال المباشر طويل الأمد، بل على حروب استنزاف دائمة، منخفضة الحدّة أحيانًا أو مرتفعة وملتهبة كما هي الحال الآن، لكنّها مفتوحة زمنيًّا. وهي عيّنة بدأت ملامحها تظهر تدريجيًّا في أكثر من ساحة، سواء في لبنان أو غزة أو البحر الأحمر.
وفي الخلاصة، تصل الدراسات إلى استنتاج يبدو الأكثر خطورة بين كل ما ورد فيها، إذ يمكن للولايات المتّحدة وإسرائيل أن تدمرّا الجيوش والقوى والقواعد والمنشآت والبنى العسكريّة، لكن من الصعب جدًا تدمير العقائد القتاليّة من دون إسقاط أنظمتها، أو تفكيك الشبكات اللامركزيّة، القادرة على إنتاج فوضى مستدامة بكلفة منخفضة.
لهذا، فإنّ المنطقة قد تكون مقبلة على مرحلة طويلة لا تشهد حربًا شاملة بالمعنى التقليديّ، لكنّها لن تعرف أيضًا تسوية نهائيّة مستقرّة. مرحلة رماديّة تتأرجح بين الانفجار والتهدئة، وبين الردع والاشتباك المحدود، وبين الاحتواء والتآكل البطيء.
ووفق هذا التقييم، تبدو إيران أضعف عسكريًّا بأشواط ممّا كانت عليه قبل الحرب، لكنّها لم تُهزم استراتيجيًّا، وما تزال مآلات هذا المسار غير محسومة، إذ يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالاتٍ لا تسمح المعطيات الراهنة بإدراك حدودها أو رسم نهاياتها.
أمّا لبنان، فيظلّ في قلب هذا المشهد، من دون أن تتّضح بعد ملامح دوره النهائيّ أو موقعه المستقرّ داخل توازنات الشرق الأوسط الجديد، بين تحرّره من كونه ساحة احتكاكٍ مستمرّ أو بقائه فضاءً مفتوحًا لاختبار حدود الاستنزاف الإقليميّ


