سلايداتمقالات

بين العقوبات والعفو العام… هل يدخل لبنان مرحلة إعادة رسم التوازنات؟

كتب العميد الركن المتقاعد د جوزف س.عبيد:

لا يمكن التعامل مع توقيت العقوبات الأميركية الأخيرة بحق شخصيات لبنانية وكأنه حدث مالي أو إداري عابر. فالتوقيت وحده كافٍ لطرح عشرات الأسئلة، خصوصًا أنها جاءت في لحظة داخلية شديدة الحساسية، تتزامن مع احتدام النقاش حول قانون العفو العام، ومع تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية على لبنان في ملفات الأمن والسلاح والتوازنات السياسية.
المشهد لا يبدو منفصلًا عن بعضه البعض، بل أشبه بقطع مترابطة في لوحة واحدة تُرسم ببطء، فيما لبنان يقف مجددًا على خط تماس بين صراعات الداخل وحسابات الخارج.
العقوبات الأخيرة تحمل أكثر من رسالة. فهي لم تستهدف فقط بيئات سياسية معروفة، بل طالت شخصيات مرتبطة بمؤسسات رسمية وأمنية، ما يوحي بأن واشنطن لم تعد تنظر إلى الأزمة اللبنانية من زاوية الفصل التقليدي بين “الدولة” و”الحزب”، بل باتت تعتبر أن النفوذ السياسي والأمني داخل لبنان أصبح متشابكًا إلى درجة تستوجب الضغط المباشر على مفاصل تعتبرها مؤثرة في موازين القوى.
وهنا يصبح توقيت العقوبات بالغ الدلالة. فهي تأتي بالتزامن مع ترتيبات إقليمية حساسة، وحديث متزايد عن تسويات كبرى في المنطقة، من غزة إلى إيران وصولًا إلى الجنوب اللبناني. لذلك تبدو العقوبات وكأنها جزء من عملية ضغط استباقية هدفها رسم حدود المرحلة المقبلة قبل الوصول إلى أي تفاهمات أو تسويات.
لكن الأخطر ربما ليس العقوبات بحد ذاتها، بل تزامنها مع انفجار الجدل حول العفو العام.
ففي لبنان، لا يُقرأ العفو العام كملف قانوني فحسب، بل كملف طائفي وأمني وسياسي بامتياز. هناك من يراه ضرورة إنسانية وقانونية لإنهاء ملفات موقوفين ومطلوبين منذ سنوات، وهناك من يعتبره خطرًا قد يفتح الباب أمام إعادة تدوير شبكات متطرفة أو إعادة إنتاج فوضى أمنية سبق أن دفع اللبنانيون أثمانها.
من هنا، يصبح الربط بين الملفين طبيعيًا في نظر كثيرين.
العقوبات الأميركية توحي بأن هناك تشددًا دوليًا تجاه أي بيئة أو شخصيات يُعتقد أنها تؤمن غطاءً سياسيًا أو أمنيًا لقوى تعتبرها واشنطن خارجة عن منطق الدولة. وفي المقابل، يفتح العفو العام نقاشًا داخليًا حساسًا حول إعادة إدماج مطلوبين أو موقوفين أو شخصيات مثيرة للجدل داخل المشهد اللبناني.
ولهذا، يزداد الخوف من أن يتحول النقاش من نقاش قانوني إلى اشتباك سياسي وطائفي مفتوح.
فالشارع اللبناني أصلًا يعيش حالة توتر وانعدام ثقة. وكل فريق يشعر أن الآخر يحاول استهدافه أو تطويقه أو فرض وقائع جديدة عليه. وعندما تترافق العقوبات الخارجية مع سجالات داخلية حادة حول العفو العام، يصبح المناخ مهيأً لتضخم الخطاب التحريضي والانقسامات العمودية التي عرفها لبنان مرارًا.
الأخطر من ذلك، أن بعض المؤشرات توحي بأن لبنان لم يعد يُعامل دوليًا كملف مستقل، بل كساحة مرتبطة مباشرة بالصراع الأميركي ـ الإيراني وبإعادة ترتيب المنطقة بعد الحروب الأخيرة. وهذا يعني أن كل تفصيل داخلي، من التعيينات إلى القوانين وصولًا إلى الملفات القضائية، قد يُقرأ من الخارج ضمن ميزان النفوذ الإقليمي.
في المقابل، هناك من يرى أن ما يحصل ليس مقدمة لانفجار، بل محاولة ضغط للوصول إلى تسوية جديدة تُفرض على الجميع تحت عنوان “إعادة بناء الدولة” وضبط التوازنات الأمنية والسياسية. لكن المشكلة أن لبنان، بتكوينه الهش، غالبًا ما يدفع ثمن الضغوط قبل الوصول إلى التسويات.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فالبلد المنهك اقتصاديًا، والمنقسم سياسيًا وطائفيًا، لم يعد يحتمل مزيدًا من الاحتقان. وأي استخدام للعقوبات أو للعفو العام في لعبة شد الحبال الداخلية قد يدفع الأمور نحو مزيد من التفكك وفقدان الثقة بين اللبنانيين أنفسهم.
لذلك، ما يجري اليوم يتجاوز مجرد عقوبات أو قانون عفو. نحن أمام مرحلة دقيقة يُعاد فيها رسم التوازنات، داخليًا وإقليميًا، فيما يقف لبنان مرة جديدة أمام سؤال مصيري: هل يكون جزءًا من تسوية تحمي استقراره، أم يتحول مجددًا إلى ساحة صراع ورسائل متبادلة بين القوى الكبرى؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى