
لا تُقاس هيبة الدولة بعدد الدوريات الأمنية ولا بعدد المحاضر القضائية، بل بقدرتها على حماية الفئات الأكثر ضعفًا في المجتمع. وعندما يصبح ملف يتعلق بقاصرين يدخلون إلى ملهى ليلي، ثم يعود ذلك الملهى إلى العمل فيما لا تزال التحقيقات قائمة، فإن القضية تتحول إلى اختبار حقيقي للدولة بكل مؤسساتها.
بحسب معلومات “ليبانون ديبايت”، تحركت النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان نهاية الأسبوع الماضي وخلال الأسبوع الحالي، بعد انكشاف ملف يتعلق بإدخال قاصرين إلى ملهى “Yamas Beirut” في جل الديب على مدى أشهر. وعلى إثر ذلك، تم استدعاء أكثر من 15 قاصرًا للتحقيق، حيث خضعوا للاستجواب وصودرت هواتفهم في إطار التحقيقات الجارية.
هذه الوقائع لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد مخالفة إدارية أو خرق لشروط الترخيص، بل كقضية تمس حماية القاصرين، وهي مسؤولية تقع على عاتق الدولة ومؤسساتها المعنية.
لكن ما أثار صدمة الرأي العام لم يكن فقط فتح التحقيق، بل ما تلاه.
فبعد أيام قليلة، أعلن الملهى عبر حسابه على “إنستغرام” استئناف نشاطه بصورة طبيعية، مؤكدًا أن الدخول أصبح “للبالغين فقط”، وأن التحقق من الهوية “غير قابل للتفاوض”، مع اشتراط إبراز الهوية الأصلية أو جواز السفر فقط.
وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان التحقق من الهوية أصبح اليوم “غير قابل للتفاوض”، فلماذا لم يكن كذلك خلال الأشهر التي يتناولها التحقيق؟ وإذا كان السبب هو الاعتماد على هويات رقمية أو مزورة، فهل يحتاج قاصر في الخامسة عشرة من عمره إلى خبرة تقنية لاكتشاف أنه قاصر؟ أم أن المظهر العمري وحده يفرض على أي مؤسسة مسؤولة أعلى درجات التدقيق قبل السماح له بالدخول؟
وفي زمن أصبح فيه الذكاء الاصطناعي يسهّل التلاعب بالصور والبطاقات الرقمية، تصبح مسؤولية المؤسسات أكبر، لا أصغر. فمن يعمل في قطاع يخضع لقيود عمرية، يفترض أن يعتمد وسائل تحقق صارمة منذ اليوم الأول، لا بعد انكشاف القضية.
لكن اختزال الملف بالمؤسسة وحدها يعني تجاهل جوهر المشكلة.
فوزارة السياحة هي الجهة المخولة قانونًا بمراقبة المؤسسات السياحية والتأكد من التزامها بشروط الترخيص. وإذا كانت الوقائع التي يجري التحقيق فيها امتدت، بحسب المعلومات، لأشهر، فمن حق اللبنانيين أن يسألوا: أين كانت أجهزة الرقابة؟ وهل أجرت الوزارة والشرطة السياحية كشوفات دورية على المؤسسة؟ وإذا كانت قد أجرتها، فلماذا لم تُكتشف الوقائع التي يجري التحقيق فيها؟ وإذا لم تُجر، فمن يتحمل مسؤولية هذا الغياب؟
وهنا، يصبح السؤال موجّهًا أيضًا إلى الإدارة المعنية في وزارة السياحة: ما هي الإجراءات الرقابية التي اتُّخذت قبل انفجار الملف؟ وما هي التدابير التي اتُّخذت بعده؟ وهل أجرت الوزارة مراجعة شاملة لآليات الرقابة على المؤسسات التي تستقبل روادًا فوق سن معينة؟
أما القضاء، فهو اليوم أمام مسؤولية لا تقل أهمية. فاللبنانيون لا يحاسبون القضاء لأنه فتح التحقيق، بل ينتظرون أن يروا أن خطورة الملف تنعكس في الإجراءات المتخذة خلال سير التحقيق. وإذا كانت التحقيقات لا تزال قائمة، وإذا كان أكثر من 15 قاصرًا قد خضعوا للاستجواب، فمن الطبيعي أن يتساءل الرأي العام عن الأساس القانوني الذي استند إليه استمرار نشاط المؤسسة، وعن طبيعة التدابير الاحترازية التي اتُّخذت لضمان عدم تكرار الوقائع التي يجري التحقيق فيها.
القضية اليوم لم تعد قضية “Yamas Beirut” وحدها، بل قضية ثقة بمنظومة الرقابة والعدالة في لبنان. لأن الرسالة التي قد تُفهم إذا لم تُقدم إجابات واضحة، هي أن ملفًا بهذا الحجم يمكن أن يتحول خلال أيام من تحقيقات واستدعاءات إلى إعلان جديد على وسائل التواصل الاجتماعي.
اللبنانيون لا يطالبون بأحكام مسبقة، ولا بإدانة قبل انتهاء التحقيق. لكنهم يطالبون بما هو أبسط: أن يشعروا بأن حماية القاصرين أولوية فعلية، وأن القانون يُطبق بالجدية نفسها على كل من يطالهم التحقيق، وأن مؤسسات الدولة تؤدي دورها بما يحفظ ثقة المجتمع.




