
في الأسباب الموجبة لمشروع تعديل المادة المتعلقة بولاية رئيس الجامعة اللبنانية في القانون رقم 66/2009، المطروح اليوم أمام مجلس النواب، يرد استشهاد بتجارب جامعات أوروبية لتبرير إمكان التجديد لرئيس الجامعة. كما يكرر بعض الداعمين للتعديل مقارنة أخرى مع الجامعات الخاصة في لبنان، فيقال: إذا كان رئيس الجامعة الأميركية في بيروت يبقى في منصبه عشر سنوات أو أكثر، فلماذا يُعترض على التجديد لرئيس الجامعة اللبنانية؟
قد تبدو هذه الحجة مقنعة للوهلة الأولى، لكنها تتجاهل الفارق الجوهري بين هذه المؤسسات. فالمسألة ليست عدد سنوات الولاية، بل طبيعة النظام الذي يحكمها، ومن يملك القرار الفعلي في التجديد، ومن يراقب أداء رئيس الجامعة ويحاسبه.
في الجامعة الأميركية في بيروت على سبيل المثال، لا يقرر الرئيس تجديد ولايته، ولا يصوّت له الأساتذة أو من يخضعون لسلطته الإدارية كما الحال في الجامعة اللبنانية. فالقرار يعود إلى مجلس أمناء مستقل تمامًا عن الإدارة الجامعية، يضم رجال أعمال وشخصيات دولية وخريجين، وهو الذي يقيّم أداء الرئيس وفق معايير محددة، ويقرر التجديد له أو إنهاء ولايته. كما يملك هذا المجلس صلاحية مساءلته، وتعديل صلاحياته، وإنهاء مهامه عند الاقتضاء، استنادًا إلى النظام الداخلي للجامعة. أي أن هناك جهة رقابية خاجية مستقلة لا تخضع للرئيس ولا تتأثر بسلطته.
ولا يختلف الأمر في معظم الجامعات الأوروبية، ولا سيما الفرنسية، حيث لا تقوم إدارة الجامعة على رئيسها وحده، بل على منظومة حوكمة متكاملة. فإلى جانب رئيس الجامعة يوجد مجلس ادارة CA الذي يقر السياسة العامة والموازنة، ومجلس أكاديمي CAC الذي يتولى الشؤون الأكاديمية والبحثية، إضافة إلى نواب للرئيس الذين يديرون ملفات محددة. ورغم الصلاحيات التنفيذية لرئيس الجامعة في فرنسا، فإنه يبقى خاضعًا لرقابة هذه المجالس ولمساءلتها، ولا يستطيع الانفراد بالقرارات الأساسية. لذلك، فإن استمرار رئيس جامعة فرنسية لولايتين لا يعني غياب القيود، بل يعكس وجود مؤسسات قوية توازن صلاحياته وتخضعه للمحاسبة.
أما في الجامعة اللبنانية، فالصورة مختلفة تمامًا. فبموجب القانون رقم 66/2009، يتمتع رئيس الجامعة بصلاحيات واسعة تشبه صلاحيات الوزير، ولا سلطة أعلى منه وفي الوقت نفسه هو من يشرف ويدير العملية الانتخابية لرئاسة الجامعة. كما أن مجلس الجامعة الذي يشارك في قرار الانتخاب يتألف من عمداء وممثلين للأساتذة، وجميعهم يرتبطون إداريًا بالرئيس، ويمنحهم الامتيازات أو المخصصات. وعندما يكون لمن يتولى السلطة تأثير مباشر في المسار الذي سيحدد مستقبله، تنتفي الضمانات الكافية لاستقلالية القرار، ويصبح تضارب المصالح احتمالًا قائمًا لا يمكن تجاهله، مهما كانت نيات الأشخاص
ويُضاف إلى ذلك غياب آلية رقابة فعلية على أداء رئيس الجامعة. على سبيل المثال المادة 9 من القانون رقم 66/2009 تلزم برفع تقرير سنوي يضعه العميد عن شؤون الوحدة الادارية و المالية والاكاديمية إلى مجلس الجامعة. وفي ظل غياب مجلس الجامعة يتمثل اليوم بالرئيس و وزارة التربية والتعليم العالي، إلا أن هذا الإجراء لم يُحترم خلال الولاية الحالية ولم يتم رفع أي تفرير للوزارة، من دون أن تترتب عليه أي مساءلة أو محاسبة. كما أن هناك طعون تقدم من قبل الاساتذة ولا يرد عليها لا سلبا و لا ايجابا وهذا دليل اضافي على الاستفراد بالسلطة بعكس الجامعات الاوروبية.
هذا الاختلاف في البنية القانونية والإدارية هو ما يجعل المقارنة مع الجامعات الخاصة أو الأوروبية مقارنة غير مكتملة. ففي تلك الجامعات توجد هيئات مستقلة تراقب الرئيس وتقيّم أداءه وتملك قرار التجديد أو الإنهاء، بينما تغيب في الجامعة اللبنانية منظومة رقابية مماثلة تكفل التوازن بين السلطة والمساءلة.
ولعلّ المشرّع أدرك هذه الخصوصية عندما وضع القانون رقم 66/2009، فحصر الولاية بمدة محددة، ولم يجز التجديد المباشر للرئيس وهو لا يزال في موقعه، بل اشترط انتهاء الولاية وفتح مسار جديد لاختيار رئيس جديد وفق الآليات القانونية. ولم يكن ذلك تفصيلًا شكليًا، بل ضمانة لحماية استقلالية القرار، ومنع أي التباس بين السلطة القائمة والرغبة في الاستمرار بها.
لذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول عدد سنوات الولاية، بل حول الضمانات التي تحكمها. فإذا أُريد الاقتداء بالنماذج الأوروبية أو بالجامعات الخاصة، فليكن ذلك باعتماد منظومة الحوكمة والرقابة والمساءلة نفسها أولًا، لا بالاكتفاء باستنساخ مدة الولاية مع تجاهل الاختلاف الجوهري في بنية المؤسسة وآليات عملها.




