
تتفاقم أزمة القوى البشرية داخل الجيش الإسرائيلي مع خروج آلاف المقاتلين الذين تجندوا في دورة تشرين الثاني 2023 إلى إجازات التسريح، من دون أن يعرفوا ما إذا كانوا سيُستدعون فورًا إلى الاحتياط، في وقت يحذر فيه الجيش من نقص يقارب 12000 جندي، بينهم نحو 7500 مقاتل، وسط انتقادات داخلية حادة لأداء شعبة القوى البشرية وغياب الحلول الواضحة.
وبحسب تقرير للصحافي آفي أشكنازي في صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، تتسع دائرة الانتقادات داخل الجيش الإسرائيلي، من قادة ومقاتلين وعائلات، تجاه طريقة إدارة شعبة القوى البشرية للأزمة. ففي الأيام الأخيرة بدأ آلاف المقاتلين والجنود الذين تجندوا في دورة تشرين الثاني 2023، والذين أمضوا كامل خدمتهم العسكرية خلال حرب “السيوف الحديدية”، الخروج إلى إجازة التسريح، إلا أنهم وعائلاتهم لا يعرفون ما إذا كان الجيش سيقرن أمر التسريح بأمر استدعاء فوري إلى الاحتياط بموجب “الأمر 8”.
في المقابل، يقول قادة داخل الجيش، ولا سيما قادة الألوية والكتائب، خلال نقاشات عسكرية داخلية، إن شعبة القوى البشرية في هيئة الأركان، بقيادة اللواء دادو بار خليفا، تتجنب عرض حلول وتخصيص مسارات خدمة ثابتة قصيرة أو أوامر احتياط واضحة.
ويتسبب ذلك بصعوبة كبيرة أمام القادة في المستويات المختلفة في التخطيط للقوى البشرية داخل الكتائب والسرايا المقاتلة، كما يعقّد توزيع المقاتلين على المهام أو إرسالهم إلى دورات تدريبية، في ظل غياب الوضوح حول مدة الخدمة الفعلية المتبقية لكل دورة تجنيد.
ويتركز الغضب داخل الجيش الإسرائيلي على قيادة شعبة القوى البشرية، التي عملت على دفع قانون تمديد الخدمة، رغم أنه كان واضحًا منذ أسابيع أنه لا يمكن قانونيًا المضي بهذا القانون، بسبب عدم قدرة الحكومة على تمرير قانون تجنيد الحريديم.
وقال مصدر عسكري، أمس الأحد، إنه من الناحية القانونية لا يمكن تمديد مدة الخدمة إذا لم يُقر قانون التجنيد، منعًا للتمييز ضد فئة الذين يخدمون. ويدرك الجيش الإسرائيلي أن تمديد الخدمة من دون قانون التجنيد لن يصمد أمام اختبار المحكمة العليا. ورغم ذلك، لم ينتقل الجيش إلى مسارات بديلة، ولم تدفع شعبة القوى البشرية خطط “الخدمة الثابتة القصيرة”، ولا بناء سرايا احتياط داخل كتائب الخدمة النظامية، كما لم تجهز خطة ترشيد للقوى البشرية على مستوى الجيش كله.
وبحسب معطيات رسمية للجيش الإسرائيلي، ينقص الجيش حتى الآن نحو 12000 جندي في الخدمة الإلزامية، بينهم نحو 7500 مقاتل. وبدءًا من كانون الثاني 2027، ومن دون تشريع يمدد الخدمة الإلزامية إلى 36 شهرًا بموجب أمر مؤقت، ستكون النتيجة خسارة سرية تقريبًا في كل كتيبة، وإغلاق 5 كتائب فعليًا، إلى جانب ضرر في منظومات التدريب والقيادة والدعم العملياتي.
وسيتركز الضرر، بحسب التقرير، على المقاتلين وداعمي القتال، في ظل الواقع الأمني الذي نشأ منذ اندلاع الحرب وتوسع المهمات العملياتية.
وكان الهدف من تمديد الخدمة تخفيف العبء الاستثنائي المفروض حاليًا على منظومة الاحتياط. وتشير التقديرات إلى أن الخدمة لمدة 36 شهرًا ستسمح بخفض العبء بنسبة تصل إلى نحو 15% من أيام الاحتياط. أي إن المقاتلين الذين يُستدعون حاليًا إلى الخدمة بين 4 و5 أشهر في السنة، ستُخفض فترة خدمتهم بين بضعة أسابيع وحتى قرابة شهر، ليُستدعوا إلى الاحتياط بين 3 و4 أشهر سنويًا.
وتطال الانتقادات الحادة داخل الجيش رئيس شعبة القوى البشرية أيضًا في ملف دعم جنود الاحتياط وعائلاتهم. فعلى سبيل المثال، اكتشف جنود احتياط عادوا في الأسابيع الأخيرة من 3 و4 أشهر من الخدمة أن المؤسسات الأكاديمية لا تمنحهم تسهيلات مهمة، وأن كثيرين منهم باتوا مضطرين إلى التسجيل مجددًا في دورات خلال الصيف.
وفي كتائب الاحتياط، يجري الحديث عن تزايد ظاهرة تسرب جنود احتياط يجدون صعوبة في الحضور إلى جولات الخدمة. كما يوجه الجيش انتقادات إلى رئيس شعبة القوى البشرية بسبب تقليصه، خلال ولايته، امتيازات وحقوقًا لجنود احتياط خدموا في مناطق القتال في الشمال، بهدف التماهي مع مستويات وزارة المالية.
أما بين جنود الخدمة النظامية وعائلاتهم، فإن غياب اليقين بشأن المستقبل يؤدي إلى ارتباك وغضب. فبعض الجنود الذين يفترض أن يتسرحوا خلال الصيف والخريف يواجهون صعوبة في التخطيط لخطواتهم المقبلة، مثل السفر إلى الخارج، أو التسجيل لدورات التحضير للامتحان السيكومتري، أو الالتزام بمسارات عمل داخل إسرائيل أو خارجها.
ولا يعرض أحد في الجيش الإسرائيلي على هؤلاء الجنود خطط الجيش بشأنهم: هل سيصدر أمر يمدد خدمتهم النظامية؟ هل سيُستدعون إلى الاحتياط؟ ولفترة كم؟ وضمن أي إطار تشغيل احتياطي سيُستدعون، هل داخل وحداتهم النظامية العضوية وبالمهمة نفسها، أم داخل الفصيلة أو السرية، أم سينتقلون إلى كتائب الاحتياط التي سيُطلب منهم الخدمة فيها لاحقًا؟
كذلك، لا يُطلع أحد الجنود على التعويضات التي يفترض أن يحصلوا عليها في مسار الخدمة الثابتة القصيرة أو في خدمة الاحتياط إذا تم استدعاؤهم إلى الخدمة في اليوم التالي لتسريحهم.
وقال مصدر عسكري، أمس، إن شعبة القوى البشرية لا تزال تأمل، حتى موعد إقفال دورة الكنيست، بمحاولة تمرير قانون تمديد الخدمة النظامية إلى 36 شهرًا.
وهكذا، تبدو أزمة الجيش الإسرائيلي أعمق من نقص في الأرقام، إذ تتحول إلى أزمة إدارة وثقة وتخطيط، في مؤسسة عسكرية تطلب المزيد من الجنود لكنها لم تقدم لهم بعد جوابًا واضحًا عمّا ينتظرهم.




