
أفاد مصدر مطّلع لوكالة «رويترز» بأن مفاوضين قطريين موجودون حاليًا في طهران، حيث يعقدون لقاءات مع مسؤولين إيرانيين ضمن تحرك دبلوماسي عاجل يهدف إلى خفض التصعيد المتجدد بين الولايات المتحدة وإيران، ومنع انزلاق المواجهة إلى حرب واسعة في المنطقة.
وأوضح المصدر أن التحرك القطري يجري بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، ويتركز على تهيئة الظروف للعودة إلى المسار التفاوضي ومعالجة الخلافات التي هددت بانهيار مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران. وأكدت تقارير متقاطعة أن المفاوضين القطريين توجهوا إلى إيران بالتنسيق مع الجانب الأميركي، بالتوازي مع اتصالات إقليمية مكثفة لاحتواء الأزمة.
وتتناول المباحثات بصورة أساسية آليات تنفيذ مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، والعمل على إزالة العقبات التي حالت دون ترجمة بنودها عمليًا، وفي مقدمتها الخلاف بشأن حرية الملاحة وإدارة حركة السفن في مضيق هرمز.
ويُعد ملف المضيق إحدى أكثر النقاط تعقيدًا في المحادثات، إذ تصر واشنطن على ضمان حرية عبور السفن التجارية من دون قيود، في حين تتمسك طهران بأن إعادة فتح الممر المائي يجب أن تتم وفق ترتيبات تشارك هي في تحديدها. وتمر عبر المضيق نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، ما يمنح أي اضطراب فيه تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
وكانت الولايات المتحدة وإيران قد وقعتا في 17 حزيران مذكرة تفاهم من 14 بندًا، تضمنت تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا، وإفساح المجال أمام مفاوضات تهدف إلى التوصل إلى تسوية دائمة، إلى جانب استئناف الملاحة البحرية في مضيق هرمز ومعالجة عدد من الملفات الاقتصادية والنووية.
إلا أن الأيام الأخيرة شهدت تصعيدًا عسكريًا خطيرًا هدد بنسف التفاهم، بعدما اتهمت واشنطن إيران بالوقوف خلف هجمات استهدفت ناقلات في منطقة مضيق هرمز، وردّت بتنفيذ جولتين من الغارات على أهداف إيرانية.
واستهدفت الضربات الأميركية مواقع وأنظمة دفاع جوي ومنشآت مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما أعلنت إيران في المقابل مهاجمة مواقع عسكرية أميركية في عدد من دول الخليج، وسط مخاوف من توسع دائرة الردود المتبادلة وتحولها إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن، يوم الأربعاء، أن مذكرة التفاهم مع إيران أصبحت «منتهية»، بعد تعثر المحادثات غير المباشرة وتجدد الهجمات، إلا أن مسؤولًا أميركيًا أكد لاحقًا أن واشنطن لا تزال ملتزمة البحث عن حل، وأن المحادثات على المستوى التقني مستمرة.
ويعكس استمرار الاتصالات تناقضًا واضحًا بين التصعيد العسكري والرسائل السياسية، إذ يسعى الطرفان إلى رفع مستوى الضغط وتحسين شروطهما التفاوضية، من دون إغلاق الباب نهائيًا أمام التسوية أو العودة إلى حرب شاملة يصعب ضبط تداعياتها.
وبحسب مصادر مشاركة في جهود الوساطة، يجري العمل أولًا على تثبيت التهدئة ومنع أي عمليات عسكرية جديدة، قبل تحديد موعد لجولة أخرى من المفاوضات الفنية الرامية إلى إنقاذ مذكرة التفاهم واستكمال البحث في الملفات العالقة.
ولا تقتصر الوساطة على قطر، إذ شاركت باكستان وتركيا ومصر والسعودية في اتصالات مع مسؤولين أميركيين وإيرانيين خلال الأيام الأخيرة، بهدف احتواء التصعيد وإعادة الجانبين إلى طاولة المحادثات.
وتؤدي قطر دورًا محوريًا في نقل الرسائل بين واشنطن وطهران، خصوصًا في ظل غياب قنوات مباشرة ومستقرة بين الطرفين، إذ سبق للدوحة أن استضافت لقاءات منفصلة بين الوفدين الأميركي والإيراني وممثلي الدول الوسيطة لمناقشة تنفيذ مذكرة التفاهم وملف مضيق هرمز.
وتواجه الوساطة اختبارًا صعبًا، لأن الخلاف لا يقتصر على وقف الضربات، بل يشمل الجهة التي تملك حق الإشراف على الملاحة في المضيق، وضمان سلامة الناقلات، وتنفيذ الالتزامات الاقتصادية، إضافة إلى مستقبل المحادثات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني.
كما أن تباطؤ حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز بعد تجدد المواجهة أعاد المخاوف بشأن أمن الإمدادات العالمية، فيما ظلت حركة السفن أدنى بكثير من مستوياتها المسجلة قبل اندلاع الحرب.
ومن شأن نجاح التحرك القطري أن يفتح الباب أمام تثبيت التهدئة واستئناف المفاوضات الفنية، أما فشله فقد يعيد الطرفين إلى دوامة الضربات والردود، ويضع الملاحة في مضيق هرمز وأسواق النفط ودول الخليج أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.




