
في غضون أيام قليلة، وُضعت الجامعة اللبنانية أمام حدثين لا يبدو، للوهلة الأولى، أن بينهما رابطًا مباشرًا. الأول قانوني، يتعلق بالجدل الدائر حول اقتراح تمديد أو تجديد ولاية رئيس الجامعة، وما رافقه من مطالعات قانونية تتحدث عن تجاوز المهل المحددة لفتح باب الترشيح، واحتمال تعريض الإجراءات للطعن أمام مجلس شورى الدولة. أما الثاني، فهو أكاديمي بامتياز، ويتمثل في تراجع الجامعة اللبنانية 101 مرتبة في تصنيف QS العالمي، من المرتبة 515 إلى المرتبة 626 خلال عام واحد.
قد يبدو هذان الملفان منفصلين، لكنهما في الحقيقة يطرحان سؤالًا واحدًا: هل أصبحت الجامعة اللبنانية أسيرة أزماتها الإدارية والسياسية، فيما تتراجع أولوياتها الأكاديمية؟
فالجامعات الكبرى لا تُقاس بمن يشغل موقع الرئاسة، ولا بالجدل القانوني حول التعيينات أو التمديد، بل تُقاس بجودة التعليم، والإنتاج العلمي، والبحث الأكاديمي، والانفتاح الدولي، وقدرتها على المنافسة في التصنيفات العالمية.
ومن هذه الزاوية، فإن التراجع الذي سجلته الجامعة اللبنانية لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه رقمًا عابرًا. فالانتقال من المرتبة 515 إلى 626 خلال عام واحد يعني أن الجامعة فقدت جزءًا من موقعها النسبي في سباق عالمي شديد التنافس، بينما تمضي جامعات المنطقة بخطى متسارعة نحو تطوير البحث العلمي واستقطاب الكفاءات.
ولا يعني ذلك أن الجامعة فقدت قيمتها العلمية، فهي لا تزال المؤسسة الجامعية الوطنية الأكبر، وتضم آلاف الأساتذة والباحثين وعشرات آلاف الطلاب، كما خرّجت شخصيات أكاديمية ومهنية تركت بصمتها في لبنان والعالم. لكن التصنيفات الدولية لا تبني أحكامها على التاريخ، بل على مؤشرات قابلة للقياس، مثل جودة الأبحاث المنشورة، وعدد الاستشهادات العلمية، والسمعة الأكاديمية، وسمعة الخريجين لدى أصحاب العمل، ومستوى التعاون الدولي.
وهنا تبرز المشكلة الحقيقية.
ففي الوقت الذي كان يفترض أن ينصب فيه النقاش على كيفية استعادة الجامعة موقعها العلمي، انشغل الوسط الجامعي بسؤال آخر: هل فُتحت مهلة الترشيح لرئاسة الجامعة ضمن المواعيد القانونية؟ وهل احترمت الإدارة الآليات المنصوص عليها؟ وهل يفتح تعديل القانون الباب أمام التجديد أو التمديد؟
هذه أسئلة مشروعة من الناحية القانونية، لكنها لا يجب أن تصبح العنوان الوحيد لمؤسسة أكاديمية يفترض أن يكون همها الأول البحث العلمي والتميز الجامعي.
لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن تسييس المؤسسات العامة كان من أبرز أسباب تراجعها، والجامعة اللبنانية ليست بمنأى عن هذا الواقع. فعندما تتحول التعيينات والقرارات الأكاديمية إلى جزء من التجاذبات السياسية والمحاصصة، تتراجع معايير الكفاءة والاستحقاق لمصلحة الولاءات، ويصبح الصراع على المواقع أهم من التنافس على جودة التعليم والبحث العلمي.
فالجامعة اللبنانية، التي شكّلت لعقود منارة للعلم ومصنعًا للكفاءات، تستحق أن تُدار بمنطق الجامعة لا بمنطق السياسة. فالمؤسسة الأكاديمية لا يمكن أن تزدهر إذا خضعت للحسابات الحزبية أو لتبدّل موازين القوى، لأن المعرفة تحتاج إلى الاستقلال، والبحث العلمي يحتاج إلى الحرية، والتميز لا يولد في بيئة تحكمها المحاصصة.
ولا شك أن الأزمة المالية الخانقة، وهجرة عدد كبير من الأساتذة والباحثين، وضعف التمويل، عوامل ساهمت جميعها في إضعاف الجامعة. لكن هذه الظروف تجعل الحاجة إلى حوكمة رشيدة أكثر إلحاحًا، لا أقل.
فالجامعات العالمية التي واجهت أزمات مالية أو سياسية استطاعت الحفاظ على مكانتها لأنها امتلكت مؤسسات مستقرة، وآليات شفافة لاتخاذ القرار، ورؤية أكاديمية لا تتغير بتغير الإدارات أو التوازنات السياسية.
ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: من يرأس الجامعة اللبنانية؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: كيف تُدار الجامعة اللبنانية؟ وهل تمتلك اليوم استراتيجية واضحة للعودة إلى نادي أفضل 500 جامعة في العالم، أم أنها لا تزال تدير الأزمات بدل أن تصنع المستقبل؟
فالجامعة التي تنشغل بصراعاتها الداخلية أكثر من انشغالها بمختبراتها، وباحثيها، وطلابها، تجد نفسها تدريجيًا خارج المنافسة، مهما كان تاريخها عريقًا.
إن الجامعة اللبنانية ليست مجرد مؤسسة تعليمية، بل هي أحد أعمدة الدولة اللبنانية، والفرصة الوحيدة لعشرات آلاف الشباب للحصول على تعليم جامعي رسمي. ومن هنا، فإن إنقاذها لا يبدأ بتمديد ولاية هذا المسؤول أو انتخاب ذاك، بل بإعادة الاعتبار لاستقلاليتها الأكاديمية، وتحصينها من التدخلات السياسية، وإطلاق مشروع وطني يعيد البحث العلمي إلى صدارة الأولويات.
فالتصنيفات العالمية لا تسأل من يشغل كرسي الرئاسة، بل تسأل: كم بحثًا نُشر؟ كم ابتكارًا خرج من مختبرات الجامعة؟ كم مشروعًا بحثيًا موّلته؟ وكم جامعة عالمية اختارت التعاون معها؟
هذه هي الأسئلة التي تصنع مكانة الجامعات. أما الصراعات على المواقع، فلا تصنع سوى مزيد من التراجع. وإذا استمرت الجامعة اللبنانية أسيرة التجاذبات السياسية والمحاصصة، فإن الخشية لن تكون من خسارة مئة مرتبة في تصنيف عالمي، بل من خسارة الدور التاريخي الذي جعلها، لعقود، أحد أهم الصروح الأكاديمية في لبنان والمنطقة.




