سلايدات

ترامب يعيد رسم الشرق الأوسط… والنووي السعودي بوابة المواجهة مع إيران

لا يبدو الاتفاق النووي المدني الجديد بين الولايات المتحدة والسعودية، وفق قراءة إسرائيلية، خطوة اقتصادية وتقنية منفصلة عن تحولات المنطقة، بل جزءًا من مسار استراتيجي أوسع يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب لقطع الطريق على روسيا والصين، وإعادة ترتيب الجبهة الإقليمية في مواجهة إيران، وسط تحذيرات من أن الملف النووي الإيراني سيبقى هاجسًا دائمًا لأي حكومة إسرائيلية.

ووقّعت الولايات المتحدة والسعودية، ليل الأربعاء–الخميس، اتفاقًا للتعاون في المجال النووي للأغراض السلمية، من شأنه أن يقود إلى تطوير برنامج نووي مدني في المملكة.

وبحسب تقرير نشرته إذاعة “103FM” الإسرائيلية، رأى البروفيسور عوزي رابي، من مركز دايان لدراسات الشرق الأوسط في جامعة تل أبيب، أن ما يجري خلف الكواليس يتجاوز حدود الاتفاق المعلن، مقدّرًا أن ترامب، بالتعاون مع حلفائه الإقليميين، بدأ صياغة خطة استراتيجية أكثر اتساعًا، قد تقود إلى جولة جديدة ضد إيران.

وأوضح رابي، خلال مقابلة ضمن البرنامج الصباحي عبر الإذاعة، أن الموافقة على البرنامج النووي السعودي كانت، من وجهة نظره، أمرًا لا يمكن تجنّبه.

وقال: “هل يمكن الإبقاء على عالم تمتلك فيه إسرائيل هذه القدرة، فيما لا يمتلكها الآخرون؟ الدول فهمت بالفعل أنه إذا لم يكن لديها سلاح نووي، فإنها تتحول في نهاية المطاف إلى ورقة تتقاذفها الرياح. لقد رأوا ما جرى لمعمر القذافي وصدام حسين، وفي المقابل ينظرون إلى كوريا الشمالية وباكستان والهند”.

وأضاف: “أكثر من ذلك، لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة. رجب طيب أردوغان سيتحدث عن هذا الأمر أيضًا، وهو يتحدث بالفعل عن مقاتلات إف-35. وهناك من سيقول إن هذا الواقع قد يضمن قدرًا أكبر من الاستقرار”.

وفي معرض تفسيره للدوافع التي جعلت الولايات المتحدة تمنح السعودية ما وصفه بـ”المظلة الذهبية” المتمثلة في مفاعل نووي، قال رابي إن ترامب يسعى إلى منع الرياض من التوجه نحو موسكو وبكين.

وأضاف: “ترامب يريد كبح احتمال ذهاب السعودية إلى روسيا والصين. وهو يدرك أن السعودية ستقلب الطاولة إذا لم تحصل على هذا الأمر، لأنها غير مستعدة للبقاء في مواجهة إيران من دون حماية، خصوصًا أن صدقية الحماية الأميركية موضع شك إلى حد كبير”.

وتناول رابي التصور المحتمل الذي يحمله ترامب تجاه الشرق الأوسط، معتبرًا أن إسرائيل تدرك أن المنطقة تدخل مرحلة تغييرات واسعة.

وقال: “إسرائيل تفهم أن كل شيء يتغير، وأن هناك انفجارًا كبيرًا في المشهد. أعتقد أن ترامب يعمل على رصّ الصفوف، وأننا عشية خروج الولايات المتحدة من دوامة الجولات المتكررة ضد إيران، وربما تكون لديه خطة أكبر”.

وتابع: “في النهاية، لا توجد خطة منظّمة بصورة كاملة، فالأمر ليس صيدلية. ما تضرر لدى ترامب هو غروره وصورته. كان يعتقد أنه ذكي جدًا وقادر على انتزاع اتفاق من إيران، لكنه اكتشف أن ما جرى كان إخفاقًا”.

وأضاف: “هو يدرك الآن أنه إذا أراد أن يذكره التاريخ بصورة إيجابية، وهو يخشى هذا الأمر لأنه صعب جدًا، فعليه أن يسلك الاتجاه المعاكس. لا يمكنه البقاء داخل دوامة الجولات المرتبطة بمضيق هرمز”.

وحذّر رابي من احتمال لجوء إيران إلى التضليل في ملفها النووي، مشيرًا إلى أعمال تُنفّذ في موقع “جبل المعول”.

وقال: “انتبهوا إلى جبل المعول. إنهم يضللون، ويبدأون بتنفيذ أعمال لا تتعلق بالتخزين، بل يشرعون في العمل على الملف النووي. ومن يعتقد أن الأمور ستُحلّ بحركة سحرية، فعليه أن يعرف أن كل رئيس حكومة في إسرائيل سيضطر إلى أن يستيقظ وينام وهو منشغل بهذه المسألة”.

وتابع متسائلًا: “ماذا نفعل مع إيران؟ ماذا نفعل مع البرنامج النووي؟ وماذا نفعل مع الوكلاء؟ أحيانًا لا يمكن جمع أضلاع هذا المثلث، ويصبح من الأسهل تخليص العالم من معاناته، والقيام بما ينبغي لدولة عظمى أن تقوم به”.

وأضاف: “كيف سيمرر ترامب ذلك؟ هو اليوم في وضع مختلف، ويدرك أن الاتفاق ليس سوى قطعة قماش أو خرقة تُمسح بها أرضية الواقع. الاتفاق النووي مع السعودية يهدف إلى رصّ الصفوف، ومن خلال حركة التفافية قد تأتي عملية تطبيع جزئية”.

وفي مقاربته للموقف السعودي، قال رابي إن المملكة كانت تدرك منذ فترة طويلة حجم الخطر الذي تمثله إيران، وإن مطالبتها ببرنامج نووي لم تكن منفصلة عن هذه المخاوف.

وأضاف: “كنا نعرف المعادلة التي كانت مطروحة حتى قبل 7 تشرين الأول، ومفادها أن التطبيع قد يمنح السعودية الجائزة الكبرى التي لطالما أرادتها. السعودية كانت تعرف دائمًا أن إيران تقف على الضفة الأخرى من الخليج، وكان السعوديون يدركون جيدًا مدى خطورة إيران، ومع عدو من هذا النوع دفعوا باتجاه هذا الملف”.

وأشار إلى أن الحرب أفرزت اعتبارات مختلفة، من بينها تحرك أميركي يستند إلى حسابات استراتيجية أوسع بكثير من الاتفاق النووي بحد ذاته.

وقال: “علينا أن نتذكر أن السعودية تعلّمت خلال العام الماضي، أكثر فأكثر، أنها تحتاج إلى الاعتماد على نفسها، لأنه قد ينشأ وضع تتباطأ فيه الولايات المتحدة في الخليج، وتتركها مع اتفاق باهت، فيما تتجه إيران نحو امتلاك السلاح النووي”.

وأضاف: “لذلك، لا ينظر السعوديون إلى أي اعتبار آخر، وهناك أساس حقيقي يدعو إلى القلق”.

وفي ختام المقابلة، رأى رابي أن السعودية حصلت بموجب الاتفاق على مساحة واسعة من حرية الحركة في هذا الملف، مقارنًا وضعها بالنموذج النووي المدني في الإمارات.

وقال: “السعودية تحصل على هامش كبير من الحرية في هذا الموضوع. ولدى الإمارات أيضًا برنامج يُفترض أنه مدني، ويُعرف ذلك بالمعيار الذهبي. فهي تحصل على اليورانيوم المخصب من الخارج، والمخصص لأهداف مدنية، ضمن رقابة مشددة جدًا”.

وتابع: “السعودية قالت منذ البداية إنها تريد أن يكون اليورانيوم المخصب داخل أراضيها. وستسعى إلى أن تكون دولة تبدأ من المستوى المدني، ثم تنتقل إلى مستوى أعلى أو إلى المستوى العسكري. علينا التعامل مع هذه التطورات بعقلانية وحكمة”.

وبذلك، يظهر الاتفاق النووي السعودي، وفق هذه القراءة الإسرائيلية، كحلقة في إعادة بناء التحالفات الإقليمية، لكنه يفتح في الوقت نفسه بابًا واسعًا أمام سباق نووي جديد، فيما تبقى إيران وخيارات ترامب المقبلة في قلب الحسابات الأكثر حساسية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى